إيران بين خطاب التحدي وحقيقة القلق: ماذا تخفي طهران خلف لغة القوة؟
بقلم هئية التحرير خاص مراسل نيوز
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، جاءت مقابلة الباحث الإيراني مصدق بور مع “المجلة” لتبدو، في ظاهرها، دفاعًا عن موقف طهران في مواجهة الضغوط الأميركية، لكنها في جوهرها تكشف أكثر مما تخفي، وتفتح الباب أمام قراءة أعمق لطبيعة المأزق الذي تعيشه الجمهورية الإسلامية اليوم.
فحين يكرر بور أن واشنطن تفرض “شروط المنتصر”، وأن إيران ترفض “الاستسلام”، فهو لا يوجّه خطابه إلى الولايات المتحدة وحدها، بل إلى الداخل الإيراني أيضًا، في محاولة لإعادة ترميم صورة القوة، في وقت تتراكم فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على النظام.
لغة التحدي التي يقدّمها الباحث المقرّب من دوائر القرار، ليست جديدة. لكنها هذه المرة تأتي محمّلة بقلق واضح، يتخفّى خلف مفردات الكرامة والسيادة والحقوق. فالإصرار المتكرر على أن إيران “لا تبحث عن الحرب لكنها مستعدة لها”، يعكس إدراكًا عميقًا لكلفة أي مواجهة مفتوحة، في ظل واقع اقتصادي هش، وعزلة دولية متزايدة.
في الملف النووي، تكشف تصريحات بور عن مفارقة مركزية: إيران تنفي السعي إلى القنبلة، لكنها تؤكد امتلاك القدرة عليها. هذا “الغموض الاستراتيجي” ليس تعبيرًا عن قوة مطلقة، بل ورقة ضغط اضطرارية، تستخدمها طهران لتعويض اختلال موازين القوى مع الغرب. فامتلاك المعرفة النووية لم يعد خيارًا، بل أصبح خط دفاع أخير في معركة سياسية طويلة.
أما رفض إدخال البرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي في أي تفاوض، فيعكس حقيقة أن المشروع الإيراني لم يعد مرتبطًا بالنووي وحده، بل بمنظومة نفوذ واسعة تمتد من العراق إلى لبنان واليمن. التنازل هنا لا يعني تعديل سياسة، بل إعادة تعريف الدور الإقليمي لإيران، وهو ما تعتبره القيادة تهديدًا وجوديًا.
وفي حديثه عن “الحركات الشعبية” بدل “الميليشيات”، يحاول بور إعادة صياغة صورة النفوذ الإيراني أخلاقيًا وسياسيًا. لكن هذا الخطاب يصطدم بواقع دولي يرى في هذه الشبكات أدوات ضغط عسكري وسياسي، لا مجرد تعبيرات شعبية مستقلة.
اللافت في المقابلة ليس ما قيل فقط، بل ما لم يُقل. فلا حديث عن التضخم، ولا عن البطالة، ولا عن هجرة العقول، ولا عن تآكل الطبقة الوسطى. هذا الصمت يعكس خوفًا من الاعتراف بأن المعركة الحقيقية لم تعد خارج الحدود فقط، بل داخل المجتمع الإيراني نفسه.
ورغم كل لغة التحدي، تحمل المقابلة إشارات واضحة إلى استعداد طهران للتسوية، بشروط تحفظ ماء الوجه. القبول المحتمل بتسليم اليورانيوم، والتلميح إلى تجميد التخصيب، واستحضار تجربة 2015، كلها مؤشرات على أن خيار التفاوض لم يُغلق.
إيران اليوم لا تقف أمام خيارين بسيطين: حرب أو سلام. بل أمام معادلة أكثر تعقيدًا: كيف تحافظ على صورتها كقوة إقليمية، من دون أن تنهار تحت وطأة العقوبات والعزلة؟ كيف تفاوض من دون أن تبدو مهزومة؟ وكيف تتراجع تكتيكيًا من دون أن تخسر استراتيجيًا؟
مقابلة مصدق بور، في هذا السياق، ليست دفاعًا عن موقف، بل محاولة لإدارة الخوف بلغة القوة، وشراء الوقت في مرحلة شديدة الاضطراب. إنها وثيقة سياسية تعكس عقل النظام أكثر مما تعكس ثقة كاملة بالمستقبل.
والسؤال الحقيقي لم يعد: هل ستفاوض إيران؟
بل: إلى أي حد تستطيع الصمود قبل أن تفرض الوقائع تنازلات أكبر؟