لبنان ليس مؤسسة خاصة: حين يُعلَّق الدستور ويقترب الشارع من فرض الدولة

خاص مراسل نيوز بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

لبنان ليس مؤسسة خاصة: حين يُعلَّق الدستور ويقترب الشارع من فرض الدولة

لم يعد ما يجري في لبنان مجرّد أزمة سياسية عابرة، ولا خلافًا تقنيًا حول مواعيد دستورية. نحن أمام لحظة مفصلية يُعاد فيها طرح السؤال الأخطر:

هل لبنان دولة تحكمها القوانين والمهل، أم كيان تُدار مؤسساته بمنطق التأجيل والاستثناء؟

في كل استحقاق دستوري، تتكرّر المسرحية نفسها:

انتخابات نيابية تُؤجَّل،

حكومات تُعطَّل،

رئاسة تُفرَّغ،

ودستور يُعلَّق…

بحجة واحدة لا تتغيّر: المرحلة الانتقالية، أو التوافق السياسي، أو الخوف على الاستقرار.

لكن أي استقرار هذا الذي يقوم على شلل الدولة؟

وأي توافق هذا الذي يُصادر حق الناس في الاختيار والمحاسبة؟

المرحلة الانتقالية … الدولة المؤجَّلة إلى أجل غير مسمّى

تحوّل مفهوم المرحلة الانتقالية في لبنان من إجراء استثنائي إلى نظام حكم دائم.

هو المصطلح الذي يُستخدم لتبرير كل تمديد، وكل تسويف، وكل هروب من صناديق الاقتراع.

مرحلة بلا سقف زمني، وبلا التزامات واضحة، وبلا نتائج ملموسة.

بهذا المعنى، لم تعد المشكلة في تأجيل استحقاق واحد، بل في تحويل الدستور إلى خيار قابل للتعليق متى تعارض مع مصالح السلطة السياسية.

مجلس لا يريد العودة إلى الشعب

الواقع اليوم أكثر وضوحًا مما يحاول البعض إخفاءه:

غالبية مجلس النواب، وليس فقط رئيسه، لا تبدو راغبة في العودة إلى الناس.

فالانتخابات تعني محاسبة،

والمحاسبة تعني كشف مسؤوليات،

والمسؤوليات تعني نهاية شرعيات اهترأت.

حتى القوى التي قدّمت نفسها بوصفها بديلًا تغييريًا بعد 17 تشرين، فشلت في تحويل الغضب الشعبي إلى مشروع سياسي متماسك، وسقطت في أول اختبار جدّي، ما سهّل على المنظومة إعادة ترتيب صفوفها والتقدّم بخيار التمديد بهدوء.

التوافق: من قيمة وطنية إلى أداة تعطيل

لطالما رُفع شعار «التوافق» كضمانة للاستقرار الأهلي، لكنه تحوّل عمليًا إلى آلية تعطيل ممنهجة.

توافق بين الزعامات لا بين المؤسسات،

وتوافق على تقاسم الوقت لا على بناء الدولة،

وتوافق يُجمّد الديمقراطية بدل أن يحميها.

عندما يصبح التوافق شرطًا لتطبيق الدستور، يفقد الدستور معناه.

رئيس الجمهورية أمام امتحان الدولة

في هذا المشهد، يقف رئيس الجمهورية جوزاف عون أمام اختبار تاريخي حاسم.

الحياد الدستوري لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، بل الانحياز الصريح للمهل الدستورية، وللانتخابات، ولحق اللبنانيين في اختيار ممثليهم.

أي تساهل جديد مع منطق التمديد، مهما كانت الذرائع، سيُفسَّر على أنه قبول بتحويل الدولة إلى كيان مُعلَّق، تُدار مؤسساته كما تُدار مؤسسة خاصة، لا كجمهورية

الشارع ليس تهديدًا… بل نتيجة

التحذير من عودة الناس إلى الشارع لا يجب أن يُقرأ كتهديد، بل كـ نتيجة طبيعية لمسار طويل من مصادرة الإرادة الشعبية.

حين تُغلق صناديق الاقتراع، تُفتح الساحات.

وحين يُعطَّل الدستور، يبحث الناس عن أدوات أخرى للتعبير.

اللبنانيون لم يعودوا يطالبون بالمثالية، بل بالحدّ الأدنى:

دولة تعمل،

مؤسسات تُنتخب،

وسلطة تُحاسب.

لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:

إمّا دولة تحكمها المهل الدستورية،

وإمّا كيان يُدار بمنطق الاستثناء الدائم.

وإذا انتصر خيار التمديد مرة أخرى، فلن يكون ذلك انتصارًا للاستقرار، بل هزيمة نهائية لفكرة الدولة، وتأجيلًا جديدًا لأزمة لم يعد اللبنانيون قادرين على تحمّل كلفتها.

لبنان ليس مؤسسة خاصة،

والدستور ليس ورقة قابلة للتعليق،

والشعب لم يعد يحتمل الانتظار.