أحمد الحريري والسؤال اللبناني الخطير: هل أصبح الحوار جريمة؟
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في بلدٍ قام على التوازنات لا على الغلبة، يبدو غريباً أن يتحوّل مجرّد الحديث عن لقاءات سياسية إلى مادة للشك والاتهام.
ففي لبنان، حيث الانقسام مزمن والخطاب مشحون، يُسارع البعض إلى اعتبار أي تواصل بين مكوّنين أساسيين وكأنه خروج عن الثوابت، أو تنازل عن المبادئ، أو انقلاب على التاريخ السياسي.
لكن لنسأل بهدوء:
أليس حزب الله، بحكم الواقع السياسي والانتخابي، ممثلاً لشريحة واسعة من اللبنانيين الشيعة؟
وأليس تيار المستقبل، تاريخياً وشعبياً، المعبّر الأوسع عن المزاج السنّي في لبنان؟
وإذا صحّ ذلك، أليس أي تواصل بين ممثلي المكوّنات اللبنانية تواصلاً لبنانياً – لبنانياً قبل أي توصيف آخر؟
السؤال الأهم ليس: هل حصل اللقاء؟
بل: لماذا نخاف من فكرة اللقاء أصلاً؟
لبنان اليوم ليس بحاجة إلى مزيد من القطيعة، بل إلى إدارة خلافاته بوسائل سياسية لا انفجارية. التجارب القاسية علّمت اللبنانيين أن غياب الحوار لا يُضعف الخلاف، بل يحوّله إلى فتنة كامنة تنتظر لحظة الانفجار. وفي المقابل، لم يكن الحوار يوماً مرادفاً للتنازل، بل أداة لتخفيف الاحتقان ومنع الانزلاق إلى المجهول.
هذا الموقف لم يتغيّر، ولم يكن يوماً على طاولة المقايضات السياسية، لا في السر ولا في العلن.
لكن الثبات على المبدأ لا يعني إقفال الأبواب.
فالسياسة، في جوهرها، إدارة اختلاف لا إلغاؤه، وحماية الاستقرار لا المغامرة به. وأي حوار لا يُلغي الخلاف حول القضايا السيادية، لكنه يمنع تحويلها إلى صدام أهلي أو انقسام عمودي خطير.
لبنان اليوم تحت أنظار الإقليم والعالم.
كل خطوة فيه تُقرأ، وكل إشارة تُفسَّر، وكل صمت يُحلَّل. وفي هذا السياق، قد يكون الحوار المنضبط والواضح رسالة طمأنة، لا رسالة ضعف، ورسالة مسؤولية، لا رسالة تخلٍّ عن الثوابت.
اللبنانيون لا يحتاجون إلى مزيد من التخوين، بل إلى جرعة عقل.
ولا يحتاجون إلى كسر بعضهم البعض، بل إلى إدارة خلافاتهم داخل السياسة، لا خارجها.
فإذا كان الحوار يمنع الفتنة، فلماذا نخاف منه؟
وإذا كان الخلاف قائماً أصلاً، فلماذا نرفض تنظيمه بدل تركه ينفجر؟
في بلد مثل لبنان، أحياناً يكون الحوار هو آخر خطوط الدفاع عن الدولة.
وأخيراً، من الضروري التأكيد أن الاعتراف بواقع التمثيل السياسي لأي طرف لا يعني تبنّي مشروعه أو سياساته، بل هو توصيف لواقع لبناني لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه. فالحوار في لبنان ليس غاية بحد ذاته، ولا بديلاً عن الثوابت الوطنية، بل أداة لتخفيف الاحتقان ومنع الانزلاق إلى صدام داخلي لا يحتمله البلد.