الإمارات تُقصف… لأن العرب نجحوا
بقلم الباحث وكاتب سياسي عبد الحميد عجم
في الشرق الأوسط، لا تُستهدف الدول الفاشلة… بل تُستهدف الدول التي تنجح.
وهذا تماماً ما يحدث اليوم مع الإمارات العربية المتحدة.
فالضربات الإيرانية التي طالت العمق الإماراتي لا يمكن قراءتها كرسائل عسكرية عابرة، بل كجزء من معركة أكبر عنوانها الحقيقي:
معاقبة النموذج العربي الناجح.
الإمارات لم تبنِ نفوذها على الميليشيات، ولا على تصدير الفوضى، ولا على تجارة الشعارات الثورية.
بنت نفسها بالاقتصاد، بالتكنولوجيا، بالموانئ، بالاستقرار، بالاستثمار، وبصناعة صورة دولة عربية حديثة استطاعت أن تتحول إلى مركز عالمي خلال سنوات قليلة.
وهنا تكمن المشكلة بالنسبة لطهران.
لأن أخطر ما يهدد المشروع الإيراني ليس الجيوش فقط… بل نجاح دولة عربية تثبت أن التنمية أقوى من السلاح، وأن المستقبل يُبنى بالمطارات والجامعات والأسواق، لا بالصواريخ والخراب.
ما جرى في الإمارات يكشف حقيقة خطيرة جداً:
إيران لم تعد تستخدم سياسة “النفوذ غير المباشر” فقط، بل انتقلت إلى مرحلة محاولة إخضاع الخليج عبر الضغط العسكري والنفسي والاقتصادي، لإيصال رسالة واضحة:
“لا استقرار دائماً في الخليج إذا تعارض مع مشروعنا الإقليمي.”
لكن ما لم تدركه طهران هو أن استهداف الإمارات لا يرعب الخليج… بل يوحّده.
فحين تُقصف أبوظبي أو دبي، لا يشعر الخليجيون أن دولة منفصلة تتعرض للهجوم، بل يشعرون أن نموذجهم العربي كله مستهدف:
الاستقرار، الازدهار، الاعتدال، والانفتاح.
ولهذا فإن المعركة لم تعد مجرد مواجهة صواريخ ومسيّرات، بل مواجهة بين مشروعين:
مشروع يريد للمنطقة أن تدخل القرن الحادي والعشرين، ومشروع يعيش على الأزمات والحروب والعقائد المسلحة.
والأخطر أن الهجمات الأخيرة كشفت تحولاً استراتيجياً غير مسبوق:
الخليج بدأ يدرك أن أمنه لا يمكن أن يبقى رهينة الحسابات الأمريكية وحدها، وأن زمن الاعتماد الكامل على المظلة الخارجية يقترب من نهايته.
لهذا قد تكون هذه الحرب بداية مرحلة جديدة تماماً في المنطقة:
مرحلة الخليج الذي يحمي نفسه بنفسه، ويعيد رسم تحالفاته، ويبني معادلة ردع مختلفة.
الإمارات اليوم لا تدافع عن أبراجها وموانئها فقط…
بل تدافع عن فكرة أن العرب قادرون على صناعة دولة حديثة، قوية، مستقرة، ومؤثرة دون أن يتحولوا إلى ساحة حرب دائمة.
ومن هنا، فإن استهداف الإمارات ليس حدثاً أمنياً عابراً…
بل اعتراف خطير بأن النموذج الإماراتي أصبح قوة إقليمية تُقلق خصومه أكثر من أي خطاب سياسي.
وفي الشرق الأوسط، حين تبدأ الصواريخ بالسقوط على المدن الناجحة… فهذا يعني أن النجاح نفسه أصبح تهديداً.