أسطورة الضربة الوشيكة: لماذا يتردد البيت الأبيض قبل ضرب إيران؟"

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

أسطورة الضربة الوشيكة: لماذا يتردد البيت الأبيض قبل ضرب إيران؟"

في لحظة إقليمية مشحونة بالتوتر، يكاد الحديث عن “ضربة أميركية وشيكة على إيران” يتحول إلى يقين في الخطاب الإعلامي والسياسي.

عناوين كبرى، تحليلات متلاحقة، وأسواق تتصرف وكأن قرار الحرب قد اتُّخذ فعلاً.

لكن القراءة الاستراتيجية الباردة لموازين القوى تقول شيئاً مختلفاً تماماً:

لا توجد ضربة وشيكة على إيران.

وما يجري ليس عدّاً تنازلياً للحرب، بل إدارة دقيقة لحرب نفسية وضغط سياسي من الطراز الأول.

حين يغيب الهدف… تصبح الحرب مستحيلة

أي حرب كبرى تحتاج قبل الصواريخ إلى قرار سياسي واضح:

ما هو الهدف؟

هل الهدف:

إضعاف النظام الإيراني؟

تغييره:

أم فقط تعديل سلوكه النووي والإقليمي؟

هنا تكمن المعضلة المركزية.

إذا كان الهدف إضعاف النظام، فالولايات المتحدة تمتلك أدوات الضغط والعقوبات والحصار.

أما إذا كان الهدف تغيير النظام، فالسؤال الأخطر يفرض نفسه فوراً:

من هو البديل؟

حتى اللحظة:

لا يوجد بديل سياسي جاهز داخل إيران.

المعارضة مشتتة وغير قادرة على الحكم.

رضا بهلوي لا يشكّل خياراً واقعياً لأسباب اجتماعية وتاريخية معروفة.

ومن دون بديل، تتحول أي ضربة عسكرية إلى مغامرة استراتيجية بلا نهاية سياسية.

درس فنزويلا: الأنظمة تسقط من الداخل قبل أن تُضرب من الخارج

التجربة الفنزويلية تقدم هنا درساً بالغ الأهمية.

نيكولاس مادورو لم يسقط بضربة عسكرية أميركية،

بل سقط نتيجة عوامل داخلية حاسمة:

انشقاقات داخل الدائرة الضيقة.

اختراقات أمنية.

تفاهمات سرية أدت في النهاية إلى نقله إلى الولايات المتحدة ومحاكمته هناك.

هذا النموذج يكشف حقيقة استراتيجية خطيرة:

الأنظمة لا تُسقط بالصواريخ وحدها،

بل حين تتفكك من الداخل قبل أن يُفتح عليها باب الخارج.

وفي الحالة الإيرانية، هذه الشروط لم تنضج بعد:

لا انشقاقات حاسمة في بنية النظام.

لا تفكك في مؤسسات القوة.

ولا بديل جاهز لملء الفراغ.

ولهذا، فإن أي ضربة اليوم لن تغيّر النظام،

بل ستفتح حرباً مفتوحة بلا نتيجة سياسية واضحة.

الاستعداد العسكري لم يكتمل… رغم كل الضجيج

رغم حاملات الطائرات، ورغم مقاتلات الجيل الخامس، ورغم استعراض القوة، فإن:

شروط الضربة الكبرى لم تكتمل بعد.

البيئة الإقليمية غير مهيأة

 لتحمل حرب متعددة الجبهات.

أي هجوم على إيران سيعني تلقائياً فتح جبهات من الخليج إلى لبنان، ومن العراق إلى البحر الأحمر.

وهنا يعرف البنتاغون حقيقة واحدة:

الحرب مع إيران ليست عملية عسكرية،

بل زلزال استراتيجي قد يخرج عن السيطرة منذ الأسبوع الأول.

عقل ترامب: الحرب صفقة… لا مغامرة

في الواقع، العامل الحاسم في قرار الحرب ليس المؤسسة العسكرية وحدها،

بل عقل دونالد ترامب نفسه.

ترامب لا يفكر كجنرال، بل كـ رجل أعمال قبل أن يكون رئيساً.

منطقه ليس منطق العقيدة أو المغامرة، بل منطق الصفقة:

ربح واضح،

كلفة محدودة،

ونتيجة مضمونة

السؤال الذي يحكم قراره ليس: هل أستطيع ضرب إيران؟

بل: ماذا سأربح من ضرب إيران؟

حتى اللحظة، صورة الربح غائبة:

لا نصر سريع مضمون.

لا تغيير نظام مؤكّد.

لا مكسب انتخابي واضح يمكن بيعه للناخب الأميركي.

ولا نهاية نظيفة لحرب قد تتحول إلى مستنقع طويل.

في المقابل، الخسائر المحتملة واضحة:

ارتفاع أسعار النفط يضرب الاقتصاد الأميركي مباشرة.

اضطراب الأسواق العالمية ينعكس على الداخل الأميركي.

وحرب مفتوحة قد تتحول إلى عبء انتخابي قاتل

لهذا، قد يرفع ترامب سقف التهديد إلى أقصاه،

وقد يستخدم القوة كأداة ضغط،

لكنه، كرجل صفقات لا كرجل حروب،

لن يوقع على حرب خاسرة،

ما لم يكن الربح السياسي واضحاً،

والنتيجة شبه مضمونة،

والكلفة تحت السيطرة.

وفي الحالة الإيرانية، هذه الشروط…

لم تنضج بعد.

خطاب حزب الله: رفع معنويات لا إعلان حرب

في هذا السياق، جاءت مواقف الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم،

الذي شدد على أن الحزب ليس حيادياً في مسألة إيران،

وأن أي تهديد لقيادتها هو تهديد لملايين المؤمنين بخطها ونهجها.

هذا الخطاب لا يعكس معلومات عن ضربة وشيكة،

بل يعكس قراءة أدق:

إدراك أن الحرب غير ناضجة بعد.

الحاجة إلى تثبيت الجبهة الداخلية.

توجيه رسائل ردع استباقية، لا الاستعداد لحرب فورية.

توجيه رسائل ردع استباقية، لا الاستعداد لحرب فورية.

لو كانت الضربة وشيكة فعلاً،

لتغيّر الخطاب جذرياً،

ولانتقلنا من رفع المعنويات إلى تعبئة الحرب.

كل ما يجري اليوم يشير إلى حقيقة واحدة:

التصعيد أداة تفاوض.

الحشود رسالة ردع.

التهديد حرب نفسية مدروسة.

لكن الحرب نفسها…

لم تدخل بعد مرحلة القرار.

ولهذا، رغم الضجيج، ورغم التحليلات، ورغم الشائعات:

لا توجد ضربة وشيكة على إيران.

ما يوجد هو لعبة ضغط كبرى، وصراع إرادات، ومعركة أعصاب طويلة.

وفي هذه اللحظة تحديداً،

أخطر ما يمكن أن يحدث ليس الحرب،

بل أن يخطئ أحد الأطراف في قراءة هذه الحقيقة.