حين تصبح الطائفة ملفاً أمنياً: الشرق الأوسط يدخل أخطر مراحله الصامتة

بقلم الباحث والكاتب سياسي عبد الحميد عجم

حين تصبح الطائفة ملفاً أمنياً: الشرق الأوسط يدخل أخطر مراحله الصامتة

لم تعد أخطر الحروب في الشرق الأوسط تلك التي تُسمع فيها أصوات الانفجارات، بل تلك التي تتسلل بصمت إلى داخل المجتمعات، حيث يتحول الخوف تدريجياً إلى عقيدة، والشك إلى ثقافة، والطائفة إلى ملف أمني مفتوح.

إعلان البحرين تفكيك تنظيماً مرتبطاً بالحرس الثوري الإيراني وفكر “ولاية الفقيه” لا يمكن قراءته كخبر أمني عابر.

ما جرى أكبر من عملية اعتقال، وأخطر من مجرد قضية تخابر.

إنه مؤشر على أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع والدين تحت ضغط الحرب الكبرى الدائرة في الشرق الأوسط.

لأول مرة منذ عقود، لم يعد التهديد يُقدَّم باعتباره قادماً فقط من الحدود أو من الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل من الداخل الاجتماعي نفسه.

من الأحياء، والمؤسسات، والشبكات الدينية، والعلاقات العابرة للحدود، وحتى من الأفكار التي تتحرك بهدوء داخل البيئات الهشة والمتوترة.

وهنا يكمن التحول الأخطر.

فالشرق الأوسط يدخل الآن مرحلة يصبح فيها الانتماء المذهبي ليس مجرد هوية دينية، بل احتمالاً أمنياً قابلاً للاشتباه والتأويل السياسي.

وفي هذه اللحظة تحديداً، تبدأ المجتمعات بالدخول في أخطر أنواع الحروب: الحروب الصامتة.

الحروب الصامتة لا تُقاس بعدد القتلى، بل بحجم الخوف الذي يتراكم داخل النفوس.

هي الحروب التي تجعل المواطن يشك في جاره، والطائفة تخاف من الطائفة الأخرى، والدولة تراقب المجتمع كما لو أنه حقل ألغام محتمل.

المعادلة هنا مرعبة ومعقدة في آن واحد.

فمن جهة، تواجه دول الخليج اختراقات حقيقية وشبكات مرتبطة بمشاريع إقليمية عابرة للدول، تستخدم الدين والسياسة والاقتصاد والتكنولوجيا لبناء نفوذ طويل الأمد داخل المجتمعات العربية.

ومن جهة أخرى، فإن مواجهة هذه الاختراقات قد تدفع المنطقة تدريجياً نحو توسيع دائرة الشك الجماعي، حتى يصبح التدين نفسه موضع ريبة، والانتماء المذهبي عبئاً سياسياً وأمنياً.

وهذا بالضبط ما يجعل اللحظة الحالية شديدة الخطورة.

لأن انهيار الثقة داخل المجتمعات أخطر من أي هجوم عسكري مباشر.

الدول تستطيع إعادة إعمار المدن والمنشآت، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء النسيج النفسي حين يتمزق تحت ضغط الخوف والارتياب.

إيران فهمت منذ سنوات طبيعة هذه الحرب.

فهي لا تعتمد فقط على الصواريخ أو الميليشيات، بل على بناء شبكات نفوذ داخل المجتمعات نفسها، مستفيدة من الانقسامات الطائفية والهوياتية ومن هشاشة المنطقة سياسياً وأمنياً.

لكن الكارثة الكبرى أن المنطقة بدأت تدخل تدريجياً في الفخ ذاته وهي تحاول مقاومته.

فكلما توسعت الحروب الاستخباراتية، تقلصت المساحات الآمنة بين الناس.

وكلما ارتفع منسوب التخوين، تراجعت الثقة الوطنية الجامعة.

وكلما اختلط الدين بالأمن، أصبح المجتمع أكثر قابلية للانقسام والانفجار البطيء.

الشرق الأوسط لا يقف اليوم فقط على حافة مواجهة عسكرية كبرى، بل على حافة تحول نفسي وتاريخي قد يعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة والطائفة لعقود قادمة.

وفي هذه اللحظة، قد لا يكون أخطر ما يهدد المنطقة هو الصاروخ الذي يسقط من السماء…

بل الشك الذي يسقط داخل المجتمع.