الخليج بين مشروعين متناقضين: الاستقرار أو الفوضى أو النظام الإقليمي الجديد
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
لم يعد الشرق الأوسط يعيش مرحلة اضطراب عابر، بل مرحلة إعادة تشكيل عميقة تطال بنيته السياسية والأمنية والاقتصادية. وفي قلب هذا التحول، يقف الخليج اليوم أمام لحظة مفصلية لا تحتمل التأجيل: إما ترسيخ الاستقرار كخيار استراتيجي دائم، أو الانزلاق نحو فوضى ممتدة، أو الدخول في مسار نظام إقليمي جديد لا تزال ملامحه قيد التشكل.
المشهد الإقليمي لم يعد يُدار بمنطق الأزمات المنفصلة، بل بمنطق تداخل ساحات الصراع. من البحر إلى البر، ومن الطاقة إلى الأمن، تتقاطع الملفات في شبكة واحدة تجعل أي توتر محلي قابلاً للتحول إلى أزمة أوسع. وفي هذا السياق، تصبح دول الخليج في موقع لا يمكن تجاهله، ليس فقط باعتبارها متأثرة بالأحداث، بل باعتبارها عنصر توازن أساسي في معادلة المنطقة
في السنوات الأخيرة، برزت دول الخليج كقوة سياسية واقتصادية قادرة على التأثير في مسارات التهدئة، وعلى فتح قنوات دبلوماسية خففت من حدة بعض التوترات. لكن حجم التحولات الجارية اليوم يفرض مستوى أعلى من الدور، يتجاوز إدارة الأزمات إلى المساهمة في صياغة قواعد الاستقرار نفسه.
الاستقرار في المنطقة لم يعد مسألة أمنية فقط، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بأمن الطاقة، والتجارة العالمية، والاستقرار الاقتصادي الدولي. وهذا ما يجعل أي اهتزاز في الخليج لا يبقى محليًا، بل يمتد تأثيره إلى النظام العالمي بأكمله.
في المقابل، فإن استمرار حالة التوتر المفتوح دون حلول جذرية يفتح الباب أمام سيناريو الفوضى الممتدة، حيث تتحول الأزمات إلى حالة دائمة، ويصبح الاستقرار استثناءً لا قاعدة. هذا النموذج هو الأخطر، لأنه لا ينتج حربًا واحدة حاسمة، بل استنزافًا طويل الأمد يضعف الدول تدريجيًا دون انهيار مفاجئ.
أما السيناريو الثالث، وهو “النظام الإقليمي الجديد”، فهو ما يتشكل تدريجيًا في الخلفية. نظام لا يزال غير مكتمل المعالم، يقوم على إعادة توزيع الأدوار الإقليمية، وإعادة تعريف موازين القوة، وإدخال عوامل جديدة في معادلة الأمن والاستقرار. وفي هذا السياق، تبدو دول الخليج طرفًا رئيسيًا لا يمكن تجاوزه، بل عنصرًا حاسمًا في تحديد شكل هذا النظام القادم.
المعادلة اليوم واضحة:
الخليج لم يعد مجرد متأثر بالتحولات، بل أصبح جزءًا من صياغتها.
والقرار بين هذه المسارات الثلاثة لم يعد نظريًا، بل يرتبط بقدرة المنطقة على تحويل القوة إلى استقرار، أو تركها تتحول إلى عامل استنزاف طويل.
في نهاية المطاف، يقف الخليج أمام لحظة تاريخية دقيقة:
إما تثبيت الاستقرار كخيار دائم،
أو مواجهة الفوضى كواقع ممتد،
أو الدخول في نظام إقليمي جديد لا تزال قواعده تُكتب الآن.