ما يُؤجَّل اليوم قد ينفجر غدًا… فهل ما يجري حلّ للأزمة، أم إعادة ترتيب لها بشكل أكثر خطورة؟
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
ما يجري ليس مفاوضات بالمعنى التقليدي، بل إدارة صراع تحت سقف محسوب بدقة. الكلمات هنا ليست وصفًا للواقع، بل محاولة لصناعته. كل تصريح، كل تسريب، كل نفي… هو جزء من معركة موازية لا تقل أهمية عن أي تحرك عسكري في الميدان.
في الظاهر، يدور النقاش حول البرنامج النووي. لكن في الجوهر، المسألة تتعلق بشيء أكثر حساسية: من يملك حق فرض الإيقاع دون أن يدفع ثمنًا داخليًا؟
واشنطن تريد اتفاقًا يُظهرها بموقع الحسم. طهران تريد اتفاقًا لا يُفسَّر كتنازل. وبين هذين الهدفين، تضيع إمكانية الوصول إلى حل مستقر.
ما يلفت النظر أن التصعيد الإعلامي لم يعد مجرد أداة ضغط، بل أصبح بديلاً جزئيًا عن التفاوض نفسه. الإعلان عن “اتفاق قريب” قبل نضوجه لا يسرّع الوصول إليه، بل يعقّد الطريق نحوه. لأنه يضع الطرف الآخر أمام معادلة محرجة: إما القبول بما لم يوافق عليه، أو الظهور بمظهر المعطل.
في حالة إيران، هذه معادلة خطيرة. النظام لا يتعامل فقط مع الخارج، بل مع توازنات داخلية دقيقة. أي إشارة إلى ضعف قد تتحول إلى أزمة داخلية. وهذا ما يجعل المرونة التفاوضية محدودة مهما بدا العكس في العلن.
وفي المقابل، المشهد في واشنطن ليس متماسكًا كما يُفترض. التباين في التصريحات، التعديل المستمر في المواقف، والارتباك في التفاصيل… كلها تعكس أن القرار لا يتحرك ضمن خط واحد واضح. وهذا لا يمر دون ثمن: لأنه يضعف القدرة على بناء ثقة حقيقية في أي التزام طويل الأمد.
الأخطر أن المسار السياسي لم يعد منفصلًا عن الميدان. الاحتكاكات العسكرية، حتى لو بدت محدودة، تؤدي وظيفة واضحة: تذكير دائم بأن البديل عن التفاهم ليس الاستقرار، بل الانزلاق. ومع كل حادثة، يرتفع منسوب المخاطرة، حتى لو لم يحدث تصعيد مباشر.
في هذا السياق، يبدو “الاتفاق المؤقت” خيارًا عمليًا… لكنه ليس مطمئنًا. هو حل يجمّد التوتر دون أن يعالجه، ويؤجل القرارات الصعبة بدل حسمها. يمنح الجميع مساحة للحركة، لكنه يترك جذور الأزمة كما هي.
المشكلة أن هذا النوع من الترتيبات لا يبقى ثابتًا. بمرور الوقت، يتحول إلى حالة هشة تعتمد على ضبط دقيق لأي خطأ. وأي خلل سياسي أو ميداني يمكن أن يعيد الأمور إلى نقطة أكثر توترًا مما كانت عليه.
العالم يتعامل مع هذه اللحظة على أنها فرصة لتجنب التصعيد. لكن القراءة الأعمق تشير إلى أنها أيضًا مرحلة إعادة تموضع: كل طرف يحاول تحسين موقعه قبل الجولة التالية، لا إنهاء الصراع.
لهذا، فإن السؤال لم يعد فقط: هل سيتم التوصل إلى اتفاق؟
بل: هل هذا الاتفاق، إن حدث، سيمنع التصعيد… أم سيؤجله إلى ظرف أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للسيطرة؟