طرابلس تستقبل الشيباني: صفحة جديدة نعم... عودة إلى الماضي لا

بقلم ه‍ئية التحرير خاص مراسل نيوز

طرابلس تستقبل الشيباني: صفحة جديدة نعم... عودة إلى الماضي لا

عندما يحطّ وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني رحاله في طرابلس غداً، ويؤدي صلاة الجمعة في مسجد السلام قبل أن يجول في أسواق المدينة القديمة، فإن الحدث يتجاوز بكثير حدود زيارة بروتوكولية عادية. فطرابلس ليست مجرد محطة على جدول الزيارات، بل مدينة تختزن في ذاكرتها فصولاً طويلة ومعقدة من العلاقة اللبنانية ـ السورية، بكل ما حملته من آمال وخيبات وجراح.

ولذلك، فإن اختيار مسجد السلام تحديداً ليس تفصيلاً عابراً. فهذا المكان يرتبط في وجدان الطرابلسيين بإحدى أكثر المحطات إيلاماً في تاريخ المدينة الحديث، ويختصر جزءاً من الذاكرة الثقيلة التي لا تزال حاضرة في النفوس. ومن هنا تكتسب الزيارة بعداً رمزياً واضحاً، خصوصاً أنها تأتي في ظل حديث متزايد عن سوريا جديدة تسعى إلى إعادة صياغة علاقاتها مع محيطها العربي ومع لبنان تحديداً.

أبناء طرابلس لا ينظرون إلى الشيباني بوصفه ممثلاً للنظام الذي عرفوه في العقود الماضية، بل بوصفه وزير خارجية مرحلة جديدة تقول إنها تريد بناء علاقات مختلفة. وهذا بحد ذاته فرصة يجب استثمارها من الجانبين. فلبنان يحتاج إلى علاقة مستقرة وطبيعية مع سوريا، وسوريا تحتاج إلى علاقة صحية ومتوازنة مع لبنان، بعيداً عن التوترات والحسابات التي أثقلت البلدين لعقود.

لكن الترحيب شيء، والذاكرة شيء آخر.

فالمدينة التي تستقبل الشيباني بحفاوة واحترام لا تستطيع في الوقت نفسه أن تتجاهل تجارب الماضي. ومن حقها أن تتمسك بمبدأ واضح لا يقبل التأويل: العلاقة بين بيروت ودمشق يجب أن تقوم على الندية والاحترام المتبادل وسيادة الدولتين، لا على النفوذ أو الوصاية أو التدخل في الشؤون الداخلية.

لقد تغير لبنان، كما تغيرت سوريا. والمنطقة بأسرها دخلت مرحلة مختلفة عنوانها التسويات والانفتاح وإعادة بناء الثقة. لكن نجاح هذه المرحلة يبقى مرتبطاً بقدرة الجميع على استخلاص الدروس من الماضي، لا تكرار أخطائه.

من هنا، فإن الرسالة التي يمكن أن تخرج من طرابلس غداً هي رسالة إيجابية بامتياز: نعم لفتح صفحة جديدة مع سوريا، نعم لعلاقات أخوية بين الشعبين، نعم للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين الدولتين، لكن لا لعودة أي منطق يتجاوز مؤسسات الدولة اللبنانية أو ينتقص من قرارها الوطني المستقل.

إن أفضل ما يمكن أن تحمله زيارة الشيباني إلى طرابلس هو التأكيد أن زمن العلاقات غير المتوازنة قد انتهى، وأن ما يُبنى اليوم يجب أن يكون مختلفاً عما كان بالأمس.

لهذا، فإن طرابلس وهي تستقبل الشيباني، لا تستقبل الماضي، بل تختبر المستقبل. وترحب بكل خطوة نحو علاقة طبيعية بين دولتين جارتين، شرط أن تكون هذه العلاقة قائمة على الاحترام المتبادل لا على استعادة صفحات طواها اللبنانيون والسوريون معاً.

صفحة جديدة نعم... أما عودة إلى الماضي، فلا.