نبيه بري... إسقاط الحكومة مؤجل لا ملغى: بين خطاب الرفض وإدارة الوقت

بقلم ابنة الجمهورية خاص مراسل نيوز

نبيه بري... إسقاط الحكومة مؤجل لا ملغى: بين خطاب الرفض وإدارة الوقت

في السياسة، لا تُقاس المواقف بما يُقال على المنابر، بل بما يُتخذ من قرارات في لحظات الاختبار. ومن هذه القاعدة، يبرز السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إذا كان الاتفاق الإطاري، كما يصفه رئيس مجلس النواب نبيه بري، يشكل خطرًا يستوجب المواجهة، فلماذا تُمنع أي حركة شعبية يمكن أن تتحول إلى ضغط سياسي على الحكومة التي تُتهم بتأمين الغطاء لهذا المسار؟

هنا تبدأ المفارقة.

فالخطاب السياسي المعلن يرفع سقف الاعتراض، بينما تكشف الوقائع عن سلوك أكثر هدوءًا وضبطًا. وإذا كانت الرواية المتداولة صحيحة، فإن بري لم يتراجع عن رفض الاتفاق، لكنه اختار عدم الذهاب إلى مواجهة مفتوحة في هذه المرحلة. وهذا يعني، وفق هذه القراءة، أن الأولوية ليست إسقاط الحكومة الآن، بل إدارة التوقيت السياسي وانتظار لحظة يراها أكثر ملاءمة.

وهنا تكمن العقدة الأساسية. فالمعارضة التي لا تتحول إلى فعل سياسي منظم تبقى خطابًا، والشارع الذي يُطلب منه التزام الصمت يفقد دوره كأداة ضغط. لذلك، فإن منع قواعد حركة أمل من الانخراط في أي تحرك معارض يفتح باب التساؤل حول حقيقة الأولويات: هل أصبحت حماية الاستقرار الحكومي تتقدم على مواجهة الاتفاق الذي يُحذر من مخاطره؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن المشهد لا يعكس تبدلًا في الموقف بقدر ما يعكس تبدلًا في الاستراتيجية. فالرجل الذي خاض في مراحل سابقة مواجهات مباشرة، يبدو اليوم وكأنه يفضل الاحتفاظ بأوراقه السياسية بدل استنزافها في معركة يعتبر أن ظروفها لم تكتمل بعد.

وفي هذا السياق، تبدو التحذيرات المتكررة المرتبطة بقيادة المؤسسة العسكرية، كما ورد في المقال الأصلي، جزءًا من قراءة أوسع لتوازنات المرحلة، لا مجرد مواقف منفصلة. وإذا صحت التحليلات التي تتحدث عن تفاهمات سياسية أو إقليمية غير معلنة، فإن ذلك قد يفسر سبب تغليب منطق إدارة الأزمة على منطق المواجهة المباشرة، مع التأكيد أن هذه تبقى فرضيات وتحليلات سياسية وليست وقائع مثبتة.

لكن السياسة لا تُقاس بالنوايا، بل بالنتائج. والنتيجة حتى الآن أن الحكومة بقيت محصنة، وأن الشارع بقي مكبلًا، وأن أدوات الضغط لم تُستخدم رغم ارتفاع سقف الخطاب المعارض.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يعارض نبيه بري الاتفاق؟ بل أصبح: لماذا لا تترجم هذه المعارضة إلى خطوات عملية في هذه المرحلة؟

القراءة الأقرب للمشهد هي أن خيار إسقاط الحكومة لم يُشطب من الحسابات، بل أُرجئ. فالسياسي المخضرم لا يتخلى بسهولة عن أوراقه الكبرى، لكنه قد يؤجل استخدامها حتى تتغير موازين القوى أو ترتفع كلفة الإبقاء على الواقع القائم.

في النهاية، قد يختلف اللبنانيون في تقييم خيارات بري، لكنهم يتفقون على حقيقة واحدة: الفارق بين الخطاب والممارسة هو ما يصنع الأحكام السياسية. وإذا كان إسقاط الحكومة لم يحدث حتى الآن، فإن ذلك لا يعني بالضرورة غياب الإرادة، بل قد يعني أن ساعة استخدامها، في نظر أصحاب القرار، لم تحن بعد.