الشرق الأوسط أمام أخطر تحول استراتيجي منذ سايكس–بيكو

بقلم اللواء اشرف ريفي نائب في البرلمان للبناني

الشرق الأوسط أمام أخطر تحول استراتيجي منذ سايكس–بيكو

لم تعد خرائط النفوذ تُرسم على الورق... بل تُبنى داخل الشبكات.

في عام 1916، أعادت اتفاقية سايكس–بيكو رسم حدود الشرق الأوسط بخطوط مستقيمة على الخرائط. وبعد أكثر من قرن، يبدو أن المنطقة تقف أمام تحول استراتيجي من طبيعة مختلفة؛ تحول لا يعيد رسم الحدود السياسية، بل يعيد تعريف مفهوم النفوذ نفسه.

لقد اعتاد الباحثون، طوال عقود، تفسير التوازنات الإقليمية من خلال الجغرافيا، والجيوش، والتحالفات الرسمية، والاتفاقيات الدولية. لكن القرن الحادي والعشرين فرض معادلة جديدة؛ إذ لم تعد القوة تُقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات، ولا حتى بحجم الاقتصاد، بل بقدرة الدول على بناء شبكات نفوذ مرنة، تتجاوز الحدود، وتربط بين الفاعلين السياسيين والعسكريين والإعلاميين والاقتصاديين في أكثر من دولة في الوقت نفسه

وهنا يكمن الخطأ الأكبر في قراءة الشرق الأوسط المعاصر.

فلا يزال جزء كبير من التحليل السياسي ينظر إلى العراق بوصفه ملفًا منفصلًا، ولبنان بوصفه أزمة مستقلة، واليمن باعتباره حربًا محلية، وسوريا باعتبارها ساحة مختلفة. غير أن هذا المنهج، مهما بدا منطقيًا، قد يعجز عن تفسير كثير من أنماط التفاعل التي تتجاوز الحدود الوطنية. فثمة تحليلات ترى أن بعض هذه الساحات لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل ضمن شبكات تنسيق وتعاون تختلف في طبيعتها ودرجة ترابطها.

إن السؤال الذي يجب أن يطرحه صانع القرار اليوم ليس: أين يوجد النفوذ؟ بل: كيف يُدار النفوذ؟

فالفرق بين السؤالين هو الفرق بين قراءة الحدث وقراءة البنية.

الدولة التقليدية كانت تمارس نفوذها عبر السفارات، والاتفاقيات، والقواعد العسكرية. أما نماذج النفوذ الحديثة، فتقوم على شبكات قادرة على الحركة والتكيف، وعلى توزيع الأدوار، ونقل الخبرات والموارد بين أكثر من ساحة، بما يمنحها مرونة استراتيجية يصعب تجاهلها.

وهذا لا يعني أن الجغرافيا فقدت أهميتها، بل يعني أن الجغرافيا لم تعد وحدها تحدد موازين القوة. فقد أصبحت الحدود، في كثير من الأحيان، أقل تأثيرًا من الروابط التنظيمية واللوجستية والإعلامية والاقتصادية التي تربط الفاعلين عبر أكثر من دولة.

ومن هنا، فإن الاقتصار على معالجة كل أزمة باعتبارها ملفًا مستقلًا قد يقود إلى سياسات جزئية، في حين أن بعض التحديات الإقليمية تتطلب فهمًا أوسع للعلاقات بين الساحات المختلفة، ولآليات انتقال الخبرات والموارد، ولطريقة تفاعل الفاعلين عبر الحدود.

لقد دخل الشرق الأوسط مرحلة يمكن وصفها بأنها انتقال من جغرافيا النفوذ إلى هندسة النفوذ. ففي النموذج الأول، كانت السيطرة تُقاس بالأرض. أما في النموذج الثاني، فتُقاس بقدرة الدولة أو الفاعل على بناء منظومات تأثير قادرة على الاستمرار وإعادة التكيف مع المتغيرات.

وهذا التحول لا يقتصر على دولة بعينها، بل يعكس اتجاهًا أوسع في طبيعة الصراعات الدولية، حيث أصبحت الشبكات، والتكنولوجيا، والقدرات غير التقليدية، عوامل لا تقل أهمية عن القوة العسكرية المباشرة.

ولذلك، فإن إعادة تعريف الأمن القومي العربي لم تعد خيارًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية. فالأمن لم يعد يبدأ عند الحدود وينتهي عندها، وإنما يمتد إلى فضاءات المعلومات، والإعلام، والاقتصاد، والتقنيات الحديثة، والعلاقات العابرة للدول. وأي سياسة لا تأخذ هذه الأبعاد في الاعتبار ستكون أقل قدرة على التعامل مع البيئة الأمنية الجديدة.

إن مواجهة هذا الواقع لا تكون بالشعارات ولا بردود الفعل، بل ببناء مؤسسات أكثر كفاءة، وتعزيز التعاون الإقليمي، وتطوير آليات تبادل المعلومات، ودعم البحث العلمي ومراكز الدراسات، وصياغة سياسات طويلة الأمد تستند إلى فهم معمق للتحولات البنيوية في الإقليم.

لقد غيّرت سايكس–بيكو شكل الشرق الأوسط السياسي. أما التحولات الراهنة، فإنها قد تعيد تشكيل طريقة عمل الشرق الأوسط ذاته. وإذا كانت خرائط القرن الماضي قد رُسمت بالمسطرة، فإن خرائط القرن الحادي والعشرين تُرسم بالشبكات، وبالقدرة على التأثير، وبالمرونة في إدارة النفوذ.

ولعل التحدي الأكبر أمام صناع القرار اليوم ليس فقط إدارة الأزمات المتلاحقة، بل امتلاك القدرة على قراءة المشهد قبل أن يتحول إلى أزمة. فالدول التي تكتفي بمراقبة الأحداث غالبًا ما تتحرك متأخرة، أما الدول التي تفهم البنى التي تنتج تلك الأحداث، فهي الأقدر على صناعة المبادرة، وحماية مصالحها، والمساهمة في استقرار الإقليم.

إن الشرق الأوسط يقف بالفعل أمام لحظة تاريخية مفصلية. لكن السؤال الذي سيحسم شكل العقود المقبلة ليس من سيربح جولة سياسية أو عسكرية هنا أو هناك، بل من سينجح في فهم قواعد اللعبة الجديدة قبل أن تصبح أمرًا واقعًا.

فالتاريخ لا يكتبه دائمًا من يملك القوة الأكبر، بل من يفهم التحولات أولًا، ثم يبني سياساته على هذا الفهم.