إيران تعيد بناء ( دولة النجاة ): زلزال في بنية الحكم من إدارة الحرب إلى هندسة البقاء
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في السياسة، تكشف الدول عن مخاوفها الحقيقية بما تفعله أكثر مما تقوله. ومن هذه الزاوية، لا ينبغي قراءة إعادة تشكيل قمة المؤسسة العسكرية والأمنية الإيرانية بوصفها مجرد إحلال أسماء بأخرى، بل باعتبارها محاولة لإعادة بناء الدولة بعد أن كشفت الحرب ثغرة استراتيجية شديدة الخطورة: القيادة نفسها أصبحت هدفًا، وسلسلة القرار باتت جزءًا من ميدان المعركة.
لهذا تبدو عودة شخصيات قديمة مثل محسن رضائي وأحمد وحيدي وحسين طائب أكثر من مجرد عودة للحرس القديم . إنها عودة إلى ما يمكن تسميته ذاكرة البقاء ؛ أي استدعاء رجال خبروا الحرب والعقوبات والأزمات والاختراقات، في لحظة لم يعد فيها النظام يملك رفاهية التجريب أو الانتقال الهادئ بين الأجيال.
المعيار الإيراني الآن ليس الحداثة بقدر ما هو القدرة على العمل تحت الضغط. فالنظام يحتاج إلى شخصيات تعرف خرائط القوة، وتفهم مؤسسات الدولة، وتستطيع الانتقال سريعًا من الأزمة إلى القرار. ولذلك فإن هذه التعيينات تعكس تحولًا في تعريف الأمن القومي الإيراني نفسه.
الدرس الأهم الذي خرجت به طهران من الحرب ليس أن إيران تحتاج إلى صواريخ أكثر أو منشآت أكثر، بل أن امتلاك القوة لا يكفي إذا كان الخصم قادرًا على الوصول إلى مركز القرار. ومن هنا تكتسب إعادة تنظيم القيادة العسكرية ودمج البنى القيادية أهمية استثنائية؛ فهي تشير إلى انتقال محتمل من مفهوم القيادة المركزية إلى مفهوم أكثر تعقيدًا: استمرارية القيادة تحت الضربة .
بمعنى آخر، لا تريد إيران فقط منع قتل القائد؛ بل تريد أن تجعل قتل القائد غير قادر على تعطيل الدولة. فالقوة الحقيقية، في هذه المرحلة، ليست في حماية الأشخاص بقدر ما هي في جعل المؤسسات قادرة على الاستمرار بعد فقدانهم.
وهذا يقود إلى نقطة استراتيجية أكثر أهمية: إيران لا تستعد بالضرورة للحرب بقدر ما تستعد لعدم الانهيار إذا وقعت الحرب. وهذه مسألة مختلفة جذريًا.
فالتعزيز العسكري لا يعني إغلاق باب الدبلوماسية. على العكس، قد يكون جزءًا من إعداد طهران للتفاوض من موقع أقوى. فالقوة تصنع أوراق التفاوض، والدبلوماسية تحاول تحويل تلك الأوراق إلى مكاسب. وكلما ارتفعت كلفة الحرب على الخصم، زادت احتمالات أن تصبح التسوية أكثر جاذبية له.
ومن هنا يمكن فهم أهمية عودة شخصيات تجمع بين الخبرة العسكرية والأمنية والسياسية، مثل محسن رضائي. فالمطلوب ليس صقرًا. في مقابل حمامة ، وإنما شخصية تستطيع الربط بين الردع والضغط العسكري والتفاوض السياسي ضمن استراتيجية واحدة.
أما مضيق هرمز، فيمثل أحد أبرز عناصر هذه المعادلة. فالجغرافيا البحرية الإيرانية ليست مجرد أداة عسكرية؛ إنها ورقة اقتصادية ودبلوماسية أيضًا. ولا تحتاج طهران بالضرورة إلى استخدام أقصى قدراتها في المضيق؛ يكفي أن يبقى احتمال استخدامها حاضرًا في حسابات الخصوم. وهذه هي فلسفة الردع: أن تجعل الخصم يعيد حساباته قبل أن يختبر قدرتك.
وفي الداخل، تبدو عودة حسين طائب وتعزيز دور الباسيج انعكاسًا لدرس آخر من الحرب: التهديد لم يعد بالضرورة جيشًا يعبر الحدود. لقد أصبح من الممكن أن يأتي عبر شبكة اتصالات، أو اختراق استخباراتي، أو خلية صغيرة، أو احتجاج داخلي. ولذلك تتجه طهران نحو توسيع مفهوم الإنذار المبكر داخل المجتمع نفسه.
لكن لهذه المقاربة ثمنها. فكلما توسعت الدولة الأمنية، ازدادت قدرتها على اكتشاف التهديد، لكنها قد تزداد في الوقت ذاته انفصالًا عن المجتمع. المراقبة قد تؤجل الأزمة، لكنها لا تعالج بالضرورة أسبابها. ومن هنا فإن تشديد القبضة الأمنية قد يكون فعالًا على المدى القصير، لكنه لا يمثل حلًا للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمكن أن تعيد إنتاج الاضطراب.
وهذا يفسر لماذا تبدو التعيينات الحالية أقل ارتباطًا بانتصار المتشددين . على المعتدلين ، وأكثر ارتباطًا بمنطق واحد هو منطق البقاء. فقد يكون المسؤول شديد الصرامة في الداخل، لكنه واقعي في حسابات الحرب الخارجية. وقد يكون العسكري الأكثر تشددًا أكثر إدراكًا لحدود القوة من السياسي الذي لم يختبر الحرب.
أما الحديث عن مجتبى خامنئي، فينبغي التعامل معه بحذر، خصوصًا في ظل محدودية المعطيات العلنية القابلة للتحقق حول رؤيته الشخصية. لكن يمكن قراءة اتجاه المؤسسة من خلال طبيعة الاختيارات والمهام: تقليل هشاشة القيادة، تعزيز الحرس، رفع الجاهزية البحرية، تشديد الأمن الداخلي، وربط القوة العسكرية بالمسار الدبلوماسي.
وهنا نصل إلى جوهر التحول.
إيران لا تعيد بناء جيشها بعد الحرب فقط؛ إنها تعيد تعريف معنى الدولة الآمنة.
الدولة الآمنة وفق المفهوم التقليدي هي التي تمنع الحرب من الوصول إليها. أما الدولة التي تعرضت قيادتها ومنشآتها ومؤسساتها للاستهداف، فتبدأ في تعريف الأمن بطريقة مختلفة: الدولة الآمنة هي التي تستطيع الاستمرار حتى عندما تصل الحرب إليها.
وهذا يعني أن الأسئلة الإيرانية لم تعد فقط: كيف نمنع الخصم من ضربنا؟ بل أصبحت: ماذا لو ضُربنا؟ ماذا لو فقدنا القائد؟ ماذا لو انقطعت الاتصالات؟ ماذا لو حدث اختراق داخلي بالتزامن مع الحرب؟ ماذا لو أصبح هرمز ساحة مواجهة؟ وماذا لو اضطررنا إلى التفاوض ونحن تحت النار؟
هذه الأسئلة هي التي تفسر بنية التغييرات أكثر من أسماء الجنرالات.
لذلك قد لا يكون العنوان الحقيقي للمرحلة الإيرانية المقبلة هو إيران تستعد لحرب جديدة ، بل إيران تستعد لحرب لا تستطيع توقع شكلها .
إنها تبني قيادة أسرع، ومؤسسات أكثر قدرة على امتصاص الضربة، وحرسًا قادرًا على الردع، وأمنًا داخليًا أكثر انتشارًا، وقدرة بحرية توظف الجغرافيا كسلاح، ومجلسًا للأمن القومي قادرًا على الجمع بين العسكري والأمني والدبلوماسي.
وهنا تكمن الحقيقة الأخطر: إيران لا تحاول فقط تعويض قادتها الذين فقدتهم؛ إنها تحاول تعويض افتراضاتها القديمة عن طبيعة الحرب.
لقد اكتشفت أن القوة لا تحمي القيادة بالضرورة، وأن أجهزة الأمن لا تمنع كل اختراق، وأن النفوذ الإقليمي لا يمنع الحرب من الوصول إلى الداخل، وأن الردع لا يلغي الحاجة إلى الدبلوماسية.
ولهذا فإن ما يحدث في طهران ليس إعلانًا عن حرب حتمية، ولا استعدادًا للاستسلام. إنه محاولة لإعادة بناء النظام بعد أن كشفت الحرب نقاط ضعفه الجديدة:
وجوه قديمة، لكن وظائف جديدة.
تشدد أمني في الداخل، وانفتاح تفاوضي محتمل في الخارج.
استعداد للحرب، من دون أن يعني ذلك الرغبة فيها.
والهدف النهائي ليس الانتصار في كل معركة، بل ضمان بقاء الدولة بعد المعركة.
وهنا تكمن الرسالة الأهم إلى واشنطن وإسرائيل وخصوم إيران: طهران لا تريد بالضرورة الحرب بأي ثمن، لكنها تريد أن تجعل الحرب، إذا وقعت، أقل قدرة على تحقيق هدفها السياسي.
أن تخسر قادة دون أن تخسر القرار، وأن تخسر منشآت دون أن تفقد القدرة على الرد، وأن تتعرض للاختراق دون أن تفقد السيطرة، وأن تتعرض للضغط العسكري دون أن تفقد قدرتها على التفاوض.
بعبارة واحدة: إيران لا تبني فقط قدرة على خوض الحرب؛ إنها تبني قدرة على البقاء بعدها.
ولهذا فإن التحول الحقيقي في طهران ليس في أسماء الجنرالات، بل في فلسفة الدولة نفسها: من دولة تراهن على منع الضربة، إلى دولة تراهن على الاستمرار رغم الضربة.
والفرق بين الدولتين كبير.
فالدولة التي تستعد للانتصار تراهن على نتيجة المعركة؛ أما الدولة التي تستعد للبقاء فتراهن على الزمن.
وطهران، بكل ما تفعله الآن، تبدو وكأنها اختارت الرهان على الزمن.