بقاء النظام الإيراني = سقوط ترامب… هزيمة مدوّية تعيد رسم ميزان القوة العالمي

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

بقاء النظام الإيراني = سقوط ترامب… هزيمة مدوّية تعيد رسم ميزان القوة العالمي

في ميزان الحروب الحديثة، لا تُقاس النتائج بحجم النيران بقدر ما تُقاس بما يخرج به كل طرف من المعركة. وإذا توقفت المواجهة الآن دون تغيير في بنية النظام الإيراني، فإن المشهد يتجاوز مجرد “نهاية حرب” إلى تحول استراتيجي عميق يعيد تعريف النصر والهزيمة. في هذه الحالة، لن تكون المسألة أن إيران ربحت عسكريًا، بل أنها نجحت في تحقيق الهدف الأهم: الصمود. وهذا بحد ذاته، في منطق الصراعات غير المتكافئة، يُعد انتصارًا كاملًا.

إدارة ترامب دخلت المواجهة وهي تراهن على كسر الإرادة الإيرانية عبر الضغط المركب: عسكريًا واقتصاديًا ونفسيًا. لكن هذا النوع من الرهانات يفترض أن الطرف المقابل سيتصرف وفق منطق الكلفة والعائد التقليدي، وهو افتراض لا ينطبق دائمًا على الأنظمة التي ترى في الصمود جزءًا من شرعيتها. ومع مرور الوقت، يتحول الضغط إلى فرصة للتكيّف، وتتحول الحرب نفسها إلى بيئة تعلّم قاسية تُسرّع تطوير القدرات بدل أن تُضعفها.

إذا انتهت الحرب الآن، فإن إيران لن تخرج كما دخلت. ستكون قد راكمت خبرة عملية في إدارة الصراع تحت الضغط، وطوّرت أدواتها في التعامل مع التهديدات، وعزّزت قدرتها على استخدام أوراق القوة الإقليمية، وفي مقدمتها التأثير على أمن الملاحة في مضيق هرمز. هذا لا يعني بالضرورة تفوقًا عسكريًا مباشرًا، لكنه يعني شيئًا أكثر خطورة: ارتفاع القدرة على الردع وفرض المعادلات.

في المقابل، يواجه ترامب معضلة أكثر تعقيدًا من مجرد إعلان النصر. فالانسحاب دون نتيجة حاسمة سيُفسَّر كعجز عن تحويل القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية واضحة. وفي عالم السياسة، هذه ليست خسارة تكتيكية، بل تآكل في صورة الهيبة والقدرة على فرض الشروط. قد يُعلن النصر إعلاميًا، لكن الواقع الاستراتيجي سيحكي قصة مختلفة: قوة عظمى لم تستطع إنهاء ما بدأته.

الأثر الأعمق لن يتوقف عند واشنطن وطهران، بل سيمتد إلى الإقليم بأكمله. دول الخليج، التي تعتمد على توازن الردع، قد تجد نفسها أمام واقع جديد يتسم بارتفاع المخاطر وتراجع اليقين. فإيران التي صمدت واكتسبت خبرة لن تكون نفس إيران التي سبقت الحرب، بل فاعلًا أكثر جرأة في اختبار الحدود.

في النهاية، تكمن المفارقة في تعريف النتيجة: بالنسبة لإيران، عدم السقوط هو نصر؛ أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن عدم تحقيق حسم واضح يقترب كثيرًا من الهزيمة. وإذا توقفت الحرب عند هذه النقطة، فإن التاريخ قد يسجلها كلحظة لم تُهزم فيها إيران، بل تعلّمت كيف تصبح أكثر قوة، وفي المقابل، لم تنتصر فيها أمريكا، بل اكتشفت حدود قوتها.