فخامة الرئيس جوزاف عون… هذا نداء من أجل دولة لا يخاف فيها الرئيس من رجال الدولة
بقلم هئية التحرير خاص مراسل نيوز
فخامة الرئيس جوزاف عون،
أكتب إليكم اليوم لأن لبنان لا يقف أمام أزمة عابرة، بل أمام لحظة تاريخية قد تحدد شكل الدولة اللبنانية لسنوات طويلة. وهذه اللحظة لا تحتاج إلى إدارة تقليدية، ولا إلى دائرة ضيقة من الآراء، ولا إلى قرارات تُصنع تحت ضغط التوازنات السياسية اليومية. إنها تحتاج إلى شجاعة من نوع آخر: شجاعة فتح أبواب القرار أمام العقول التي تستطيع أن تقول الحقيقة، حتى عندما تكون الحقيقة غير مريحة.
فخامة الرئيس، المشكلة في لبنان لم تكن يوماً في غياب الكفاءات. المشكلة كانت دائماً في أن الدولة تعرف كيف تستدعي أهل السياسة، لكنها لا تعرف كيف تستثمر أهل الخبرة.
لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً عندما أصبحت الكفاءة أقل أهمية من الولاء، والخبرة أقل قيمة من الحسابات السياسية، والصراحة أقل قبولاً من المجاملة. ومن هنا يبدأ الخطر الحقيقي: عندما يصبح الرئيس محاطاً بمن يقول له ما يحب أن يسمعه، بدلاً ممن يملك الجرأة ليقول له ما يجب أن يسمعه.
وهنا، فخامة الرئيس، يبدأ الامتحان الحقيقي.
لبنان لا يحتاج إلى مستشارين يصفقون للقرار بعد صدوره، بل إلى رجال دولة يستطيعون الاعتراض عليه قبل أن يصبح خطأً وطنياً.
ولا أقصد أسماء بعينها بقدر ما أقصد مدرسة سياسية كاملة من أصحاب الخبرة والتجربة والمعرفة. شخصيات عاشت مراحل مفصلية من تاريخ لبنان، مثل الدكتور أحمد فتفت، والدكتور فارس سعيد، والدكتور مصطفى علوش، والأستاذ باسم السبع، وغيرهم من الشخصيات التي قد نختلف معها سياسياً، لكن الاختلاف السياسي لا يلغي الخبرة الوطنية.
ليس المطلوب أن يكون هؤلاء مع الرئيس في كل شيء.
المطلوب أن يكونوا مع لبنان.
وهذه هي القاعدة التي يجب أن تحكم المرحلة المقبلة: لا تسألوا أولاً من ينتمي إلى أي فريق، بل اسألوا ماذا يستطيع أن يضيف إلى الدولة. لا تسألوا من يؤيد الرئيس، بل من يستطيع أن يحذره. لا تبحثوا عن الشخص الذي يوافق، بل عن الشخص الذي يفكر.
فالرئيس الذي يسمع الموافقين فقط قد يعيش هدوءاً سياسياً مؤقتاً، لكنه يصبح أكثر عرضة للمفاجآت. أما الرئيس الذي يفتح غرفته السياسية أمام الآراء المختلفة، فهو لا يضعف سلطته، بل يحصّن قراره.
فخامة الرئيس،
لبنان اليوم ليس جزيرة معزولة عن العالم. المنطقة تتغير، التحالفات تتبدل، الاقتصاد الدولي يعيد رسم أولوياته، والشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النفوذ والقوة. وفي مثل هذه اللحظات، لا يمكن لدولة مثل لبنان أن تكتفي بسياسة رد الفعل.
لبنان يحتاج إلى عقل استراتيجي.
يحتاج إلى رؤية تمتد لخمس وعشر سنوات، لا إلى قرارات تعيش حتى نهاية الأسبوع.
ومن هنا أقترح إنشاء "غرفة العقول الوطنية" في قلب الرئاسة: إطار استشاري حقيقي، يضم خبراء في الأمن والاقتصاد والدبلوماسية والعلاقات الدولية والطاقة والاغتراب والإدارة العامة، إلى جانب سياسيين سابقين ودبلوماسيين وأصحاب تجارب وطنية.
لا تكون هذه الغرفة مجلس محسوبيات جديداً.
ولا منصة لتوزيع الأدوار.
ولا نادياً سياسياً مغلقاً.
بل مكاناً واحداً فقط: حيث تُطرح الأسئلة التي يخشى السياسيون طرحها، وحيث يستطيع المستشار أن يقول لرئيس الجمهورية: "فخامة الرئيس، هذا القرار خاطئ"، من دون أن يخشى أن يخسر موقعه أو قربه.
هذه ليست إهانة للرئاسة.
هذه هي قوة الرئاسة.
فخامة الرئيس،
أكبر خطر على أي عهد ليس وجود شخصيات قوية إلى جانبه، بل غيابها.
الرئيس القوي لا يخشى رجال الدولة. الرئيس القوي يصنع منهم شبكة أمان للدولة. أما عندما تتحول الشخصيات المستقلة إلى مصدر قلق، وتصبح الكفاءة تهديداً، ويصبح صاحب الرأي المختلف شخصاً يجب إبعاده، فإن المؤسسة تبدأ تدريجياً بفقدان قدرتها على رؤية الأخطار قبل وقوعها.
وهنا يجب أن يكون السؤال قاسياً:
هل نريد في لبنان رجال سلطة جدد، أم رجال دولة؟
لأن الفرق بين الاثنين هو الفرق بين دولة تُدار لمصلحة مستقبلها، ودولة تُدار لمصلحة لحظتها السياسية.
رجال السلطة يفكرون في الانتخابات، والمواقع، والتحالفات، وحجم النفوذ.
أما رجال الدولة فيفكرون في السؤال الأصعب: ماذا سيبقى من لبنان بعد عشر سنوات؟
فخامة الرئيس جوزاف عون،
التاريخ لن يسألكم فقط ماذا فعلتم.
سيسألكم أيضاً: من استمعتم إليه؟
ومن منحتموه فرصة أن يقول الحقيقة؟
ومن أبعدتموه لأن صوته كان مستقلاً؟
وهل فتحتم أبواب بعبدا أمام أصحاب الخبرة، أم بقيت الدولة تدور داخل الدائرة نفسها التي أدارتها لعقود؟
إنها ليست مسألة أسماء.
إنها مسألة نهج.
ولذلك، فإن دعوتي إليكم ليست إلى تبني رأي أحمد فتفت، أو فارس سعيد، أو مصطفى علوش، أو باسم السبع، أو أي شخصية أخرى. دعوتي هي إلى تبني مبدأ أخطر وأهم: لا يجوز أن تُهدر خبرة لبنانية قادرة على خدمة الدولة بسبب اختلاف سياسي.
لبنان لم يعد يملك ترف إقصاء العقول.
ولم يعد يملك ترف التجارب الفاشلة.
ولم يعد يملك ترف إنتاج التسويات نفسها ثم انتظار نتائج مختلفة.
فخامة الرئيس،
إذا أردتم أن يكون عهدكم مختلفاً، فليكن الاختلاف من هنا.
افتحوا أبواب الرئاسة أمام أصحاب الخبرة.
اجمعوا المختلفين حول الطاولة.
استمعوا إلى من يعارضكم قبل من يوافقكم.
ضعوا الكفاءة فوق المحاصصة.
والنزاهة فوق الولاء.
والخبرة فوق العلاقات.
ومصلحة لبنان فوق كل الحسابات.
عندها فقط يمكن أن تبدأ معركة بناء الدولة فعلاً.
لأن لبنان لا يحتاج إلى رئيس محاط برجال السلطة.
لبنان يحتاج إلى رئيس قادر على جمع رجال الدولة حول مشروع وطني واحد.
وقد تكون هذه، فخامة الرئيس، أعظم فرصة أمامكم: أن تتركوا خلفكم ليس فقط قرارات ومراسيم، بل مدرسة جديدة في الحكم.
مدرسة تقول إن الرئيس القوي لا يخشى العقول الكبيرة، وإن الدولة القوية لا تُبنى بإقصاء أصحاب الخبرة، وإن السيادة لا تحميها الشعارات، بل يحميها عقل سياسي قادر على قراءة المستقبل قبل أن يصل الخطر إلى باب الوطن.
اللحظة أمامكم.
والقرار أمامكم.
ضعوا كل العقول على الطاولة، واتركوا الكفاءة تتكلم.
فلبنان لم يعد يحتمل رهانات خاسرة جديدة.
ولم يعد يحتمل رجال سلطة أكثر.
إنه يحتاج، قبل فوات الأوان، إلى رجال دولة.