لبنان بين فرصة العرب ومصانع الشك: من يريد إجهاض العودة الإماراتية؟
بقلم الكاتب والباحث السياسي عبد الحميد عجم
في السياسة، أخطر الأكاذيب ليست تلك التي تختلق الوقائع، بل تلك التي تأخذ وقائع صحيحة وتضعها في سياق خاطئ حتى تنتج منها حقيقة مزيفة. وهذا تحديداً ما يجب أن نتوقف عنده أمام الحملة التي رافقت الانفتاح الإماراتي الجديد على لبنان.
فزيارة الوفد الإماراتي إلى بيروت لم تكن زيارة بروتوكولية عابرة. عشرات رجال الأعمال والمسؤولين حضروا إلى لبنان لبحث فرص الاستثمار والشراكة في قطاعات تمتد من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى الطاقة واللوجستيات، فيما وقّع البلدان مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون التجاري والاستثماري.
هذه هي الحقيقة الأولى.
أما الحقيقة الثانية، فهي أن لبنان يحتاج اليوم إلى هذا النوع من الانفتاح أكثر من أي وقت مضى.
لذلك، فإن تحويل عودة الإمارات إلى لبنان من فرصة اقتصادية إلى شبهة سياسية، وربط كل مشروع إماراتي باستثمارات الإمارات في إسرائيل، ثم بناء استنتاجات عن التطبيع والموانئ والغاز، ليس تحليلاً كافياً بحد ذاته. التحليل الحقيقي يحتاج إلى وثيقة، وعقد، وملكية، وتضارب مصالح، ودليل مباشر.
إذا كانت هناك صفقة تمس السيادة اللبنانية، فلتُكشف.
إذا كان هناك مشروع يتعارض مع القانون، فليُوقف.
وإذا كان هناك ارتباط إسرائيلي مباشر، فليُقدم بالدليل.
أما أن تصبح العلاقات الاقتصادية الإماراتية مع دول أخرى سبباً كافياً لتحويل الاستثمار الإماراتي في لبنان إلى قضية اتهام، فهذا يعني أننا لم نعد نناقش الاستثمار، بل نصنع سردية سياسية حوله.
وهنا تبدأ القضية الأخطر.
لماذا يريد البعض أن يقنع اللبناني بأن الانفتاح على الإمارات يعني حكماً الانفتاح على إسرائيل؟
ولماذا يُراد للبنان أن يرى العلاقة مع أبوظبي من خلال علاقتها بالرياض، أو من خلال خلافات وتباينات عربية لا مصلحة له في استيرادها؟
لبنان لا يحتاج إلى الاختيار بين السعودية والإمارات.
هذه ليست معركة لبنان.
مصلحة لبنان أن تكون الرياض وأبوظبي إلى جانبه، وأن تعود بيروت إلى عمقها العربي، لا أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين العواصم.
ومن هنا، فإن من يحاول زرع الشك بين لبنان والإمارات لا يضرب الإمارات وحدها.
إنه يضرب قدرة لبنان على استعادة شبكة علاقاته العربية.
وهذا هو الخطر الحقيقي.
نحن لا ندعو إلى إعفاء الاستثمار الإماراتي من الرقابة، ولا نطالب الدولة اللبنانية بمنح أي مستثمر شيكاً على بياض. على العكس، كل استثمار في المرفأ أو المطار أو الطاقة أو التكنولوجيا أو البيانات يجب أن يخضع لأعلى درجات الشفافية والرقابة.
لكن القاعدة يجب أن تكون واحدة:
لا حصانة للمستثمر، ولا حصانة ضده.
وهنا تظهر مسؤولية الدولة.
الدولة القوية لا تغلق أبوابها أمام المستثمرين خوفاً من النفوذ، بل تضع قواعد تمنع النفوذ غير المشروع. والدولة السيادية لا تخاف من رأس المال العربي، بل تعرف كيف تستفيد منه من دون أن تتنازل عن قرارها.
أما الدولة الضعيفة، فهي التي تترك الفراغ، ثم تشتكي عندما يملأه الآخرون.
والسؤال الأكثر أهمية اليوم ليس: لماذا تستثمر الإمارات في لبنان؟
بل:
لماذا لا يستطيع لبنان أن يحوّل هذا الاهتمام العربي إلى مصلحة وطنية؟
لماذا لا نضع مشاريع واضحة؟
لماذا لا نفتح المناقصات بشفافية؟
لماذا لا نطلب التكنولوجيا ونقل الخبرات وفرص العمل؟
لماذا لا نستفيد من الموقع الجغرافي للبنان في اللوجستيات والطاقة والتجارة؟
هذه هي الأسئلة التي تصنع الدول.
أما تحويل كل مستثمر إلى متهم، وكل مشروع إلى مؤامرة، وكل علاقة عربية إلى صراع محاور، فهو لا يصنع سيادة.
يصنع عزلة.
والعزلة هي آخر ما يحتاجه لبنان.
أما الحديث عن وجود جهة مجهولة تقف "فوق" الجميع، من دون تسمية أو وثيقة، فلا يكفي لصناعة حقيقة. إذا كان هناك شخص أو جهة تقف خلف أي مشروع مشبوه، فليُكشف الاسم. وإذا كانت هناك مصالح مالية خفية، فلتظهر الوثائق. وإذا كان هناك ابتزاز، فالدليل هو الفيصل.
فالصحافة التي تحترم نفسها لا تقول للقارئ: صدقني.
تقول له: هذه الوثيقة، وهذه الأرقام، وهذه الملكية، وهذا العقد.
وهنا يجب أن نكون أكثر صراحة.
إذا كان هناك من يريد فعلاً حماية لبنان من التطبيع، فليدافع عن الدولة اللبنانية القادرة على اتخاذ قرارها بنفسها.
أما تخويف العرب من الاستثمار في لبنان، فهو لا يحمي لبنان.
بل يخدم عزلة لبنان.
وإذا كان هناك من يحاول استثمار أي تباين سعودي–إماراتي في الداخل اللبناني، فعليه أن يعرف أن لبنان ليس ساحة مناسبة لهذه اللعبة.
السعودية والإمارات دولتان عربيتان شقيقتان.
ولبنان يحتاج إلى الرياض وأبوظبي معاً.
وأي محاولة لدفعه إلى الاصطفاف ضد إحداهما هي محاولة لإعادة لبنان إلى زمن المحاور الذي دفع ثمنه شعبه واقتصاده ودولته.
لقد حان الوقت لسياسة لبنانية مختلفة.
سياسة تقول للسعودية: أهلاً بك.
وتقول للإمارات: أهلاً بك.
وتقول للمستثمر العربي: أهلاً بك، ولكن وفق القانون.
وتقول لأي قوة خارجية: لبنان ليس للبيع.
هذه هي السيادة الحقيقية.
لا أن نغلق الأبواب، ولا أن نفتحها بلا شروط.
بل أن نفتحها ونحن نعرف تماماً ماذا نريد.
لبنان اليوم أمام اختبار تاريخي: هل يحوّل عودة العرب إليه إلى فرصة لإعادة بناء اقتصاده وموقعه، أم يسمح لأصحاب السرديات السوداء بأن يحوّلوا كل فرصة إلى مؤامرة؟
الجواب يجب أن يكون واضحاً.
نريد الاستثمار العربي، لكن لا نبيع القرار اللبناني.
نريد السعودية والإمارات معاً، لكن لا نسمح لأحد بتحويل لبنان إلى ساحة خلاف بينهما.
نريد الانفتاح، لكن تحت سقف الدولة.
وهنا تقع مسؤولية الإعلام والسياسة معاً.
فمن يملك دليلاً على فساد أو تطبيع أو صفقة سرية، فليضعه أمام اللبنانيين.
ومن لا يملك الدليل، فعليه ألا يحوّل الشبهة إلى حقيقة.
لأن لبنان لم يعد يحتمل معارك الوهم.
لقد خسر سنوات بسبب المحاور.
وخسر اقتصاداً بسبب العزلة.
وخسر فرصاً بسبب الفساد.
واليوم، إذا عاد العرب إلى طرق أبوابه، فإن أكبر جريمة سياسية ليست أن نستفيد منهم.
بل أن نسمح لمنطق الشك وتصفية الحسابات بأن يطردهم مرة أخرى.
لبنان لا يحتاج إلى من يختار له أصدقاءه.
يحتاج إلى دولة تعرف كيف تحوّل أصدقاءها إلى مصالح، وكيف تحمي مصالحها من دون أن تخسر أصدقاءها.
وهذه ليست معركة الإمارات.
وليست معركة السعودية.
إنها معركة لبنان نفسه.
فإما أن نكون دولة تستقبل العالم بشروطها، أو نبقى ساحة يستعملها الآخرون وفق شروطهم.
والقرار، هذه المرة، يجب أن يكون لبنانياً