لبنان لن يُنتزع… لا بالسلاح ولا بالابتزاز: أنتم تتغيّرون، ونحن باقون

بقلم الباحث و الكاتب السياسي عبد الحميد عجم

لبنان لن يُنتزع… لا بالسلاح ولا بالابتزاز: أنتم تتغيّرون، ونحن باقون

في لحظة سياسية حرجة، وبينما تتسارع التحولات الكبرى في الإقليم، خرج الموفد الأميركي توم براك بكلام هو الأخطر من نوعه منذ سنوات:
"إذا لم يتحرك لبنان، فسيعود إلى بلاد الشام."
جملة واحدة، لكنها تحمل كل معاني الانقلاب على لبنان الدولة، الكيان، السيادة، والتاريخ.

ليست زلة لسان. ولا تصريحاً عارضاً. بل رسالة مكتملة الأركان.
لبنان، كما أراد براك أن يقول لنا، بات على طاولة إعادة التوزيع. إما أن يُخلع سلاحه بيده، أو يُخلع عن خارطة السيادة.

 لبنان لا يعود إلى "بلاد الشام"... ولن يكون منتجعاً لأحد

حين يقول براك إن سوريا ترى لبنان كـ"منتجعها الشاطئي"، فهذه ليست نكتة دبلوماسية، بل تلخيص خطير لمشروع إقليمي – دولي جديد يُراد فرضه على اللبنانيين بالقوة الناعمة والضغط الصلب.

هذا التصريح يعيدنا إلى منطق الانتداب، ويستحضر لغة الاحتلال – حتى لو جاءت بلكنة ناعمة من واشنطن.
لكننا نقولها بوضوح:
لبنان ليس تابعاً لأحد. ولا حديقة خلفية. ولا هامشاً لمفاوضات الغير.

 نعم، نريد نزع السلاح... ولكن بقرار وطني، لا بأمر عمليات خارجي

نحن مع نزع سلاح "حزب الله".
مع قيام دولة واحدة بجيش واحد وسلاح واحد.
لكن نزع السلاح يجب أن يكون خياراً سيادياً، نابعاً من الداخل، لا خضوعاً لتهديدات مبعوث أو ابتزاز محور.

براك يريد أن يُقنعنا أن الحل يبدأ من بيروت، لكن قراره جاهز من تل أبيب وواشنطن .
وهنا الخطأ القاتل:
من يريد دولة قوية، لا يبدأ بإهانة ما تبقّى من مؤسساتها.
ومن يريد نزع سلاح حزب، لا يفرضه عليه بل يدفع الدولة لتفرض سلطتها على الجميع دون تمييز.

 لبنان ليس سلعة إقليمية ولا ملفاً أميركياً

التلويح بأن "المنطقة تتغيّر"، وأن "الكل يعيد تدوير مستقبله"، لا يخيفنا.
لبنان لن يُدرج في لائحة التصفيات الإقليمية تحت عنوان الواقعية السياسية.
نحن نعرف اللعبة:
تسوية سورية – إسرائيلية تُطبخ، وتُراد لها ضحية جانبية اسمها لبنان.
لكننا لسنا سلعة. ولا تنازلاً. ولا ثمناً يُدفع.

 إلى توم براك: لسنا ضدك لأنك أميركي... بل لأنك متعالٍ

ليست المسألة هوية من يقول، بل الطريقة التي يقول بها.
نحن لا نرفض الموقف الأميركي فقط لأنه أميركي. بل نرفضه حين يأتي بصيغة الأمر:
– نزع السلاح
– تشكيل حكومة
– تلقي الردود
– وإلا الزوال...

هذه ليست لغة شركاء. بل لغة وصاية جديدة تُعرض علينا باسم السلام، وتُهددنا بانهيار الدولة إن لم نذعن.

 وأين الدولة اللبنانية من كل هذا؟

صمت مطبق.
موقف باهت.
لا بيان من مجلس الوزراء، لا رد من المؤسسات.
تُرك الرد لتصريحات إعلامية متفرقة، ولمواقف شعبية غاضبة على وسائل التواصل.
وهنا الخطر الأكبر:
إذا لم ترد الدولة، سيتكلم الشارع. وإذا تكلم الشارع، سيتجاوز الجميع.

لبنان لا يُبتلع... ولا يركع

نعم، لبنان ضعيف اقتصادياً.
نعم، منهك سياسياً.
لكن لا أحد يملك حق محوه، لا أميركياً ولا إيرانياً ولا سورياً ولا إسرائيلياً.
من يريد الحفاظ على لبنان، فليدعمه على بناء دولته.
ومن يريد تدميره، فليواصل التعامل معه ككائن مؤقت، وككيان فاقد للقرار.

لبنان لن يكون "المنتجع الشاطئي" لأحد.
لن يعود إلى "بلاد الشام".
ولن يعيش في ظل سلاح خارج الدولة إلى الأبد.
لكنه أيضاً لن ينزع سلاحه تحت السكين.

نحن نختار الطريق الأصعب: بناء الدولة من تحت الركام، لا الخضوع للسياط الخارجية.
وسنقولها من قلب بيروت، ومن أقصى الجنوب والشمال:
لبنان باقٍ، سيد، حر، مستقل… عن الجميع.