زلزال إيراني: أسبوع واحد قلب موازين القوة في المنطقة”
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
الأسبوعان الماضيان لم يكونا مجرد أيام عابرة في سجل الصراعات الإقليمية، بل كانا فصلاً حاسمًا في تاريخ الشرق الأوسط. الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران لم تضرب فقط البنية العسكرية لنظام طهران، بل هزّت الثوابت السياسية والإستراتيجية التي شكلت المنطقة لعقود.
في غضون سبعة أيام، تغير كل شيء: المقولة التقليدية عن "التخادم الإسرائيلي-الأميركي مع إيران" باتت بلا معنى، حزب الله لم يعد الدرع المنيع كما كان، والقدرات الإيرانية العسكرية تحت ضغوط هائلة، مع تراجع التهديد الصاروخي وفق تقارير غربية موثوقة. أسبوع واحد قلب المنطقة رأسًا على عقب، ووضع إيران أمام لحظة وجودية حقيقية: إما التراجع، وإما الانحدار نحو نفق مظلم من عدم اليقين.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومن خلفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أطلقا رسالة صريحة للعالم: لا مجال للتسويات الجزئية، ولا اتفاقات إلا بالاستسلام الكامل. التصريحات ليست مجرد تهديد، بل إعلان واضح عن استراتيجية ضغط قصوى تعتمد على التفوق العسكري والاستخباري والتكنولوجي غير المسبوق.
لكن الواقع الإيراني أكثر تعقيدًا: موت خامنئي وغياب جيل 1979 الذي أسس الجمهورية الإسلامية فتح فراغًا قياديًا كبيرًا. النظام الإيراني، الذي صمد لعقود تحت وطأة الحروب والعقوبات، اليوم على مفترق طرق: هل سيتمكن من إعادة ترتيب صفوفه داخليًا وخارجيًا، أم أن الضغوط المستمرة ستقود إلى تفكك جزئي أو كامل في آليات الإدارة والقيادة؟
ما يجعل الأسبوعين الماضيين أكثر تأثيرًا هو أن الضربات لم تقتصر على الهجوم الجوي أو الصاروخي، بل شملت عمليات استخباراتية دقيقة أصابت قلب النظام الإيراني، مستهدفة أكثر من ألفي هدف من البنية القيادية والصناعية العسكرية. وقدرة إيران على الرد محدودة: تمتلك ما يكفي لإزعاج خصومها، لكنها بلا شك فقدت القدرة على قلب المعادلة لصالحها.
السيناريوهات القادمة تحمل احتمال توسع العمليات لتشمل عناصر برية محدودة، أو دعم داخلي للمعارضين، ما يجعل المنطقة على حافة تحول تاريخي لم يعرفه الشرق الأوسط منذ عقود. والتحالف الأميركي-الإسرائيلي اليوم ليس مجرد قوة هجومية، بل لاعب يحرك المعادلات السياسية والاقتصادية والإقليمية وفق استراتيجية متكاملة.
العالم يراقب لحظة فارقة. الشرق الأوسط على مفترق طرق تاريخي، حيث كل خطوة أميركية وإسرائيلية تقلب الموازين، وكل تراجع إيراني يفتح بابًا لإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي. هذه ليست مجرد حرب عسكرية، بل تجربة استراتيجية كبرى لإعادة رسم الخرائط الإقليمية والسياسية، وربما بداية فصل جديد في تاريخ إيران والمنطقة بأكملها.
في النهاية، من يظن أن الأحداث ستعود إلى سابق عهدها مخطئ. أسبوع واحد كان كافيًا ليعيد تعريف القوة والنفوذ، ويضع إيران أمام حساب تاريخي لا يمكن تجاهله. والشرق الأوسط لم يعد كما كان قبل هذا الأسبوع.