الدولة العميقة تتحرك: لماذا أصبح جوزيف عون هدفاً؟

بقلم الباحث والكاتب سياسي عبد الحميد عجم

الدولة العميقة تتحرك: لماذا أصبح جوزيف عون هدفاً؟

في الشرق الأوسط، لا تُحارَب المشاريع الوطنية بالدبابات فقط، بل أيضاً بالحصار السياسي، والتشويه الإعلامي، وتعطيل المؤسسات، وصناعة الفوضى المنظمة. وما يواجهه اليوم الرئيس جوزيف عون لا يمكن قراءته كخلاف لبناني داخلي عابر، بل كجزء من صراع إقليمي ودولي على هوية لبنان ودوره في الخريطة الجديدة للمنطقة.

لبنان يقف اليوم عند أخطر منعطف منذ نهاية الحرب الأهلية. ليس لأن الجنوب يشتعل فقط، بل لأن الدولة اللبنانية نفسها دخلت مرحلة اختبار وجودي: هل تستعيد قرارها السيادي؟ أم تبقى رهينة توازنات السلاح والمحاور الخارجية؟

من هنا، تبدو الحملة المتصاعدة ضد أي محاولة لإعادة بناء الدولة أكثر من مجرد اعتراض سياسي. إنها مواجهة مع مشروع يهدد بنية نفوذ عمرها سنوات، وربما عقود. فهناك قوى داخلية وإقليمية اعتادت على لبنان الضعيف، المنقسم، والعاجز. لبنان الذي يُستخدم صندوق رسائل بين العواصم، وساحة تصفية حسابات مفتوحة، لا دولة مستقلة تملك قرار الحرب والسلم.

ولهذا تحديداً، بدأت محاولات الالتفاف على أي مبادرة تعيد الاعتبار للمؤسسات الشرعية.

المشهد أعمق بكثير مما يظهر في البيانات والخطابات. خلف الكواليس، يدور صراع حقيقي بين مشروعين: مشروع يريد لبنان جزءاً من النظام العربي والدولي الطبيعي، ومشروع آخر يرى أن قوة لبنان تكمن في بقائه داخل اقتصاد الحرب والمحاور والصراعات المفتوحة.

المقلق أن بعض الجهات لا تخشى فقط نجاح جوزيف عون، بل تخشى ما سيمثله نجاحه إقليمياً. لأن نجاح الدولة اللبنانية في استعادة قرارها يعني سقوط واحدة من أهم ساحات النفوذ في الشرق الأوسط. وهذا ما يفسر حجم التوتر السياسي والإعلامي الهائل المحيط بكل خطوة مرتبطة بالجيش، أو بالمفاوضات، أو بملف السلاح، أو بإعادة رسم العلاقة بين الدولة والقرار الأمني.

في العمق، المعركة لم تعد فقط على الجنوب، بل على مستقبل الشرق الأوسط بعد الحروب الكبرى. المنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل كاملة: حدود النفوذ تتغير، التحالفات تُعاد صياغتها، والأولويات الدولية تتحول من إدارة الفوضى إلى بناء خرائط استقرار جديدة. وفي قلب هذا التحول، يقف لبنان بين احتمالين: إما العودة دولة كاملة السيادة، أو التحول نهائياً إلى ساحة دائمة للحروب بالوكالة.

اللافت أن جزءاً من المجتمع الدولي والعربي بدأ يتعامل مع لبنان على أساس هذه المعادلة الجديدة. لم يعد السؤال فقط كيف يتم وقف النار، بل كيف يمكن إنتاج دولة لبنانية قادرة على منع الانهيار المتكرر، وضبط الحدود، واحتكار القرار الأمني والعسكري. وهذه النقطة بالذات تفسر الدعم المتزايد لأي مسار يعيد الاعتبار للدولة، مقابل القلق من القوى التي ترى في ذلك تهديداً مباشراً لنفوذها.

لكن الأخطر من كل ذلك، أن لبنان يفاوض اليوم تحت ضغط الزمن. إسرائيل تستخدم الحرب كورقة سياسية داخلية، وإيران تتعامل مع الساحة اللبنانية كجزء من تفاوض إقليمي أوسع، بينما الولايات المتحدة تدير الأزمة وفق حسابات استراتيجية مرتبطة بمستقبل المنطقة بأكملها. وبين هذه القوى، تبدو الدولة اللبنانية كأنها تحاول انتزاع مساحة نجاة أخيرة قبل الانفجار الكبير.

لهذا، فإن ما يجري ليس تفصيلاً لبنانياً محلياً، بل فصل جديد من معركة الشرق الأوسط على شكل النظام الإقليمي المقبل.

والسؤال الذي بدأ يُطرح بصوت مرتفع في العواصم، وليس فقط في بيروت: هل يُسمح للبنان أن يعود دولة؟ أم أن هناك من لا يزال يحتاجه ساحة مفتوحة… مهما كان الثمن؟