من يصنع سلام غزة؟ ترامب وبوتين… وأين العرب من قرار يُعاد رسم الشرق الأوسط به؟
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
لم تكن دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين للانضمام إلى ما أسماه “مجلس السلام” للإشراف على المرحلة المقبلة من خطة غزة حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل إعلاناً صريحاً عن ولادة نظام جديد لإدارة الشرق الأوسط خارج قواعد الشرعية الدولية، وبمنطق الصفقات الكبرى لا العدالة السياسية.
ما جرى ليس مجرد خبر سياسي، بل لحظة مفصلية تعيد تعريف مفهوم “السلام” نفسه: هل هو تسوية عادلة تحفظ حقوق الشعوب؟ أم ترتيب قسري يُفرض من فوق رؤوس الضحايا باسم الاستقرا
سلام خارج الأمم المتحدة… لمن ولماذا؟
حين تُدار قضية غزة، إحدى أكثر القضايا التصاقاً بالشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة، عبر مجلس خاص خارج هذه المنظومة، فهذا يعني أن العالم يُدعى عملياً للاعتراف بفشل النظام الدولي، واستبداله بإدارة فوقية تتحكم بها الدول الكبرى وفق مصالحها لا وفق القانون.
هذا “مجلس السلام” ليس سوى محاولة أميركية لإخراج ملف غزة من سياقه الحقوقي والإنساني، وإدخاله في غرفة عمليات سياسية – أمنية مغلقة، حيث تتحول معاناة شعب إلى ورقة تفاوض، ودماء الأطفال إلى بنود في صفقة.
لماذا بوتين؟
اختيار بوتين ليس عبثياً. فروسيا، رغم حرب أوكرانيا، لا تزال رقماً صعباً في الشرق الأوسط. إشراكها في مجلس غزة يحقق لواشنطن ثلاث غايات:
تحييد موسكو عن دعم أي مسار يعارض الرؤية الأميركية في غزة.
إبعاد روسيا تدريجياً عن التحالف العميق مع إيران في ملفات المنطقة.
تكريس مبدأ أن “الكبار فقط” من يصنعون السلام، لا الشعوب ولا المؤسسات الدولية.
إنها عودة صريحة إلى منطق “يالطا جديد” ولكن هذه المرة على أنقاض غزة.
غزة هنا ليست سوى البوابة. فالرهان الحقيقي أبعد: إعادة هندسة الإقليم سياسياً وأمنياً من فلسطين إلى لبنان وسوريا والعراق، وصولاً إلى الخليج.
فإذا نجحت واشنطن في فرض نموذج “سلام غزة” خارج الأمم المتحدة، فسيصبح هذا النموذج قابلاً للتعميم على:
لبنان عبر فرض تسويات فوقية
سوريا عبر إعادة تدوير النظام الإقليمي
وحتى إيران عبر تطويق نفوذها تدريجيا
أي أننا أمام محاولة لإعادة ترتيب الشرق الأوسط بأدوات ناعمة هذه المرة، لكن بذات منطق الهيمنة القديم.
أوروبا خارج اللعبة… والعرب أمام الإختبار
الهجوم الأميركي على فرنسا وتهديدها اقتصادياً ليس تفصيلاً عابراً. بل رسالة واضحة:
من لا يلتحق بالمسار الأميركي يُقصى ويُعاقب.
أما العرب، فهم اليوم أمام لحظة تاريخية فاصلة: إما أن يكونوا شركاء فاعلين في صياغة مستقبل غزة والمنطقة
أو يتحولوا إلى مجرد متلقّين لنتائج صفقات تُبرم فوق رؤوسهم.
الخطير أن بعض الأنظمة قد ترى في هذا “السلام المُدار” فرصة للاستقرار السريع، ولو على حساب القضية الفلسطينية نفسها.
في هذا المشهد، يبدو لبنان أكثر الدول عرضة لأن يتحول إلى ورقة مقايضة بين واشنطن وموسكو:
سلاح حزب الله
الحدود الجنوبية
الغاز
والقرار السيادي
كلها قد تصبح عناصر في بازار سياسي دولي، لا مكان فيه لإرادة اللبنانيين، ولا لحياد دولتهم ولا لكرامة سيادتهم.
الأخطر ليس أن تُدار غزة بيد أميركا وروسيا
بل أن يُختزل السلام في غياب الحرب فقط، لا في تحقيق العدالة
فالسلام الذي لا يُبنى على:
الحق
والكرامة
والسيادة
وحرية الشعوب
هو مجرد هدنة مؤقتة… تسبق انفجاراً أكبر.
دعوة بوتين إلى “مجلس السلام” ليست خبراً سياسياً
بل جرس إنذار للعرب والعالم.
إنه إعلان غير مباشر عن:
نهاية عصر الشرعية الدولية
وبداية عصر “السلام بالقوة السياسية”.
وغزة اليوم ليست سوى البداية.
أما القادم… فقد يعيد رسم خرائط المنطقة لعقود،
إما بوعي عربي جامع…
أو بفوضى تُفرض باسم السلام.