الشرق الأوسط على حافة الزلزال: فشل المبادرة الفرنسية وتصعيد أمريكي-إسرائيلي ضد إيران وحزب الله"
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في لحظة تاريخية حاسمة، يقف الشرق الأوسط على مفترق طرق لم يشهد له مثيل منذ عقود. بين تسارع الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران وفشل المبادرة الفرنسية لوقف الحرب في لبنان، يبدو أن المنطقة على وشك دخول فصل جديد من الصراع الجيوسياسي الذي قد يعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط والعالم.
باريس، التي حاولت لعب دور الوسيط التاريخي، اصطدمت بحائط من الحسابات العسكرية والسياسية التي تتجاوز لبنان نفسه. المبادرة الفرنسية لم تستطع وقف تصعيد إسرائيل في الجنوب اللبناني، ولم تصل إلى حزب الله الذي يتلقى تعليماته مباشرة من الحرس الثوري الإيراني. هذه الوساطة، التي اعتمدت على التواصل مع الأطراف اللبنانية والإسرائيلية، تبخرت أمام واقعٍ أكثر تعقيدًا: حزب الله يواصل إطلاق الصواريخ، وإسرائيل تصر على ضرب أهداف استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية، بينما طهران تقود اللعبة من الخلف.
الرسائل الفرنسية إلى إسرائيل كانت واضحة: تجنب أي توسيع بري قد يمنح حزب الله "شرعية القتال" ويعيد توحيد اللبنانيين ضده. لكن الانقسامات داخل الحكومة الإسرائيلية، بين من يسعى لتخفيف التصعيد ومن يريد حملة عسكرية أوسع لإضعاف حزب الله سياسيًا وعسكريًا، تجعل تنفيذ هذه التوصيات شبه مستحيل.
على الجانب اللبناني، الرئيس نبيه بري عبّر عن قلق بالغ، لكن الدولة اللبنانية غير قادرة على فرض أي قرار، ما يجعل البلاد ساحة صراع تحكمها القوى الإقليمية أكثر من المؤسسات الوطنية نفسها. وهكذا، فشل الوسيط الفرنسي ليس مجرد إخفاق دبلوماسي، بل كشف حقيقة مرّة: لبنان اليوم بلا نفوذ حقيقي على مصيره وسط الحرب الإقليمية.
الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران: استراتيجية طويلة المدى
في الوقت نفسه، تبدو الولايات المتحدة وإسرائيل جاهزتين لتصعيد طويل ضد إيران. اجتماع الرئيس الأمريكي مع كبار شركات الصناعات الدفاعية، وتصريحات الإدارة الأمريكية حول كفاية مخزون الأسلحة لأي سيناريو، تؤكد أن واشنطن مستعدة لحرب ممتدة إذا اقتضت الضرورة.
إسرائيل من جهتها، نفذت ضربات جوية مكثفة على العمق الإيراني، بما في ذلك منشآت تحت الأرض في طهران، في استراتيجية متدرجة تهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وإرسال رسالة سياسية وعسكرية مزدوجة.
حزب الله، الخاضع لتوجيهات طهران، أصبح محور صراع لا يقتصر على لبنان فقط، بل يمثل خط الدفاع الإيراني الأول ضد إسرائيل. إسرائيل تسعى لإضعاف الحزب، وعزله داخليًا عن المجتمع اللبناني، تمهيدًا لنزع سلاحه، بينما أي توسع عسكري قد يمنحه "شرعية المقاومة"، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي.
باريس تحاول حتى اللحظة دفع الأطراف لتجنب التصعيد الكامل، لكنها تواجه حائطًا صلبًا من الاستراتيجيات الإقليمية التي تتجاوز قدراتها، لتظل المبادرة الفرنسية معلقة، وفشلها واضح أمام هذا الواقع المعقد.
التاريخ يعلّم أن الشرارات الصغيرة في الشرق الأوسط غالبًا ما تتحول إلى أزمات عالمية كبرى. الطاقة، الاقتصاد، الأمن الدولي، كلها مرتبطة بما يحدث الآن. أي تصعيد إضافي قد يهز الأسواق الدولية ويغير حسابات القوى الكبرى، بينما لبنان سيبقى عالقًا بين القوى الإقليمية المتصارعة.
نجاح الدبلوماسية الدولية في احتواء التصعيد قبل أن يتوسع.
مواجهة مفتوحة ومعقدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط لعقود قادمة، تاركة لبنان ضحية الصراع الإقليمي.
والسؤال الأهم: هل ما نشهده اليوم مجرد مواجهة عابرة، أم بداية مرحلة تاريخية جديدة ستغير شكل النظام الدولي والشرق الأوسط إلى الأبد؟