طرابلس خارج الحسابات: من يحاسب نوابها على سنوات التهميش؟
بقلم هيئة التحرير خاص مراسل نيوز
في طرابلس، لم يعد الصمت السياسي مجرد غياب في الموقف، بل أصبح سؤالاً برسم نواب المدينة: ماذا فعلوا فعلياً أمام الفقر والبطالة وانهيار الخدمات وتراجع البنى التحتية؟ فمدينة تعاني يومياً لا تحتاج إلى نواب يتذكرونها في مواسم الانتخابات، بل إلى ممثلين يحولون أزماتها إلى ملفات وطنية داخل البرلمان، ويحاسبون المسؤولين عنها بلا تردد.
الأكثر إيلاماً أن المواطن الطرابلسي بات يعيش أزمة مركبة: كهرباء غائبة، ومولدات خاصة تملأ فراغ الدولة وتفرض كلفة إضافية على العائلات، ونفايات تتكدس في الشوارع، فيما يواجه الشباب انسداداً متزايداً في فرص العمل. وفي المقابل، لا يرى المواطن رقابة نيابية بمستوى حجم هذه الأزمات. وإذا كانت أرقام البطالة بين الشباب مرتفعة، فالمطلوب ليس ترداد الأرقام، بل إطلاق مشروع اقتصادي حقيقي يستثمر في طاقات المدينة وموقعها ومرفئها ومطار القليعات والسياحة والصناعة ويخلق فرصاً حقيقية للشباب.
وهنا يسقط الاختبار الحقيقي للتمثيل النيابي: النائب ليس مراقباً للأزمة من بعيد، ولا صاحب بيانات موسمية، بل مسؤول سياسي يفترض أن يسأل ويحاسب ويقترح ويدفع نحو الحلول. أما الاستقلال السياسي، فلا يُقاس بالشعارات التي تسبق الانتخابات، بل بالمواقف التي تُتخذ عندما تتعارض مصالح أصحاب النفوذ والمال مع مصالح الناس. ولذلك فإن أي علاقة سياسية أو مالية مؤثرة يجب أن تكون دائماً تحت رقابة الصحافة والرأي العام، بالأدلة والوثائق، بعيداً عن الشائعات
طرابلس لا تريد من يدير فقرها، بل من يواجه أسبابه. لا تريد من يشرح أزمة الكهرباء، بل من يخوض معركة حلها. لا تريد من يصوّر النفايات، بل من يحاسب المسؤول عن بقائها. ولا تريد نواباً يتحدثون باسم الشباب، فيما يواصل الشباب البحث عن مستقبلهم خارج المدينة.
لقد آن الأوان لتحويل العلاقة بين الناخب والنائب إلى عقد سياسي واضح: ماذا وعدت؟ ماذا أنجزت؟ ماذا حاسبت؟ وماذا ستفعل؟ فطرابلس ليست صندوق اقتراع موسمياً، وليست مدينة تُستعاد عند الانتخابات ثم تُترك لمصيرها. إنها عاصمة الشمال، وتملك من الإمكانات البشرية والاقتصادية ما يؤهلها لأن تكون مركزاً للنمو والاستثمار.
المشكلة ليست أن طرابلس تفتقر إلى الإمكانات؛ المشكلة أن إمكاناتها لم تتحول بعد إلى مشروع دولة.
ومن هنا يبدأ السؤال الأصعب، والأكثر عدالة: من وقف فعلاً مع طرابلس عندما كانت تحتاج إلى من يقف معها؟
فالمدن لا تنهض بالوعود، والدول لا تُبنى بالشعارات، وطرابلس لن تستعيد موقعها إلا عندما يصبح تمثيلها النيابي عنواناً للإنجاز والمحاسبة، لا مجرد طريق إلى مقعد في البرلمان.