عودة رمزية إلى دمشق: شاهد على تحول سوريا بعد سقوط الأسد

وزارت النهار سوريا. كان يجب أن تكون هذه الجملة الختامية لما سأكتبه عن الزيارة، لكن رمزية وجود النهار في دمشق تتصدّر المشهدية، وتعكس حجم ما تبدّل في عمق المعادلة، فصارت العنوان والمقدمة لكل ما سأسرد. الزيارة جاءت بدعوة من وزارة الثقافة السورية، ومواكبة وحضور والوزير محمد ياسين صالح الذي أيقن أهمية عودة النهار إلى سوريا ورمزيتها.تقرّرت زيارة وفد النهار إلى سوريا، وبعد غياب طال لسنوات إثر اغتيال الشهيدجبران تويني، وانتهاج النهار نهجاً واضحاً معارضاً للنظام السوري وسياساته في لبنان وسوريا، وتحويل منبرها مساحة لمعارضي الأسد السوريين. كثيرون ضمهم الوفد سبق أن زاروا سوريا قبل سقوط النظام وبعده، لكن آخرين كانت زيارتهم الأولى.نايلة تويني... والعوض الكبيرترأست الوفد رئيسة مجموعة النهار نايلة تويني. رمزية وجودها كانت تحمل بطياتها قصّة كاملة. لم يكن الأسدان يعترفان باستقلال لبنان وكيانيته، ولم يقرّا بجرائمهما في لبنان، وبينها اغتيال جبران. عبرت نايلة تويني الحدود، ومرّت على مقربة من قصر الشعب الرئاسي، حيث كان يمكث الأسد. قد تكون هذه الصورة أبلغ من كل كلام: بشار هارب، ونايلة في سوريا.خلال إحدى الجلسات مع وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح، قال ما معناه إن الشعب السوري مدين لنايلة تويني والنهار. دفعت نايلة ثمناً باهظاً باغتيال أبيها على مسار قضية الشعب السوري بتحقيق الحرية. جبران تويني دفع دمه في سبيل الشعبين اللبناني والسوري. تحرر سوريا من نظام الأسد انتصار للسوريين ونايلة والنهار على حد سواء. شركاء الظلم شركاء النصر.مفارقتان لاحظتهما خلال الزيارة:- المفارقة الأولى كانت انهيار حاجز الخوف من الحدود اللبنانية – السورية. كانت حواجز هذه الحدود محط قلق خلال عهد الأسد وسبب التباعد رغم قرب الجغرافيا. أي تشابه أسماء أو ملف سياسي أمني ملفّق قد يودي بصاحبه إلى سجون لا يخرج منها حياً. كثيرون تجنبوا زيارة سوريا قلقاً من حواجز الفرقة الرابعة. حملنا هذا القيد رغم معرفتنا بتبدّل الحال، لأن الذاكرة مثقلة بتجارب دموية وتأبى نسيان ضحاياها.ولآخرين لا يتعاطون السياسة ولا يخشون من تلفيق الملفات أو تشابه الأسماء، كانت الحدود مكان تفليسة. الدفع عند حواجز الفرقة الرابعة والأخرى التابعة لقوات الأسد كان يحتسب ضمن ميزانية الزيارة إلى سوريا. بعض الجنود كان يرضى بربطة خبز أو كروز دخان من شخص عادي، فيما البعض الآخر كان يبتز التجّار وأصحاب الأموال.كانت السلطات السورية المختصة عند الحدود، الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، مصرّة على تبديل الذاكرة بواقع مغاير. اللافتة الأولى التي يلقاها الداخل إلى سوريا بعد لافتة الترحيب كانت تحمل عنوان: الرشاوى ممنوعة. التعامل احترافي، دقائق معدودة كانت كفيلة لإنجاز إجراءات العبور، ولا زحمة أو مشكلات، بل معاملات روتينية.- المفارقة الثانية كانت تبدّل صورة نمطية. رسمت ممارسات نظام الأسد صورة مسيئة بحق أسلوب التعامل بين اللبنانيين والسوريين. زيارة الشام تكشف عكس ذلك كلياً. الترحيب السوري قيادة وشعباً بوفد النهار والضيافة التي عبّرت عنها جهاز وزارة الثقافة، وحتى السوريون الذين لم يعرفوا هوية وفدنا الإعلامية في الشوارع، كانت تعبّر عن فرحهم بوجود لبنانيين يتجولون في أزقتهم وأسواقهم.من تأليه الأسد... إلى تأهيل العقليةخلال زيارتي الأولى إلى سوريا بعد أسبوعين من سقوط نظام الأسد، كانت لا تزال صوره وصور شقيقه باسل وأبيهما حافظ تجتاح الشوارع. الصور التي انتشرت حينها وعبّرت عن نرجسية الأسد ونظامه كانت تفوق قدرة السوريين على نزعها بعد السقوط بسبب عددها الكبير. كانت الصور تقف فوق جدران مشقّقة ومبان مترهلة حتى لو كانت حكومية. كانت صورة الأسد أهم من المبنى وخدماته.خلال زيارتنا الأخيرة، كانت الهوية البصرية لسوريا تجتاح الشوارع والسيارات، ولم أتمكّن خلال تجوال نهار كامل في شوارع دمشق من رصد صورة واحدة للرئيس السوري أحمد الشرع. ثمّة تبدّل واضح في العقلية، من تأليه الشخص إلى احترام المؤسسات، ومن الولاء للنظام نحو الانتماء إلى دولة. هذا التبدّل الكبير ليس مرتبطاً بصورة الشوارع بقدر ما هو مرتبط بعقلية جديدة بدأت تسود.بين الشرق... والغربالهوية المعمارية في دمشق تعكس حقيقة دورها السياسي. خلال الجولة التي نظمتها وزارة الثقافة لـالنهار في دمشق، ظهرت اختلافات البنيان. في شق من العاصمة تجمعات سكانية تشبه بشكلها الهندسة السوفياتية المعمارية. مبان قريبة من بعضها وذي شقق صغيرة. وفي الشق الآخر، أزقّة تشبه إلى حد كبير شوارع أوروبا. هذا دور سوريا السياسي والاقتصادي بين الشرق والغرب، وهذا موقعها الجغرافي الذي قد يحوّلها ممر طاقة وتجارة أساسي بين آسيا وأوروبا.هوية ثقافية رفضت الموتلم تمح سنوات الحرب حب دمشق وأهلها للثقافة. حاول الأسدان طمس الهوية السورية الحقيقية الحضارية والتاريخية. استبدلا القراءة بممارسات التشبيح، والفن بالسجون. لكن سوريا وحينما نفضت غبار حكم الأسدين، نفضت معه الغبار عن قاعات فنية ومكتبات كانت تحوي مفكرين ومطربين وعازفين. كان دار الأوبرا في دمشق ضمن برنامج وزارة الثقافة لـالنهار، حيث تبيّن أن الشعب السوري لا يمكن فصله عن الثقافة.وإضافة إلى دار الأوبرا، شمل برنامج الزيارة المتحف الوطني، قصر العظم، سوق الحميدية، المسجد الأموي، جبل قاسيون، وباب توما، وكلها مواقع وأماكن تعكس الهوية السورية الثقافية العريقة والتاريخية.وجوه منهكةلكن وعلى المقلب الآخر من المشهدية الجميلة، ثمّة صورة أخرى. لا يمكن للمتنقل في شوارع دمشق ألا يرصد الوجوه المتعبة الشاحبة. عيون شاردة وتعابير منهكة. 50 عاماً من حكم الأسد خلّفت رعباً في نفوس السوريين، ويكفي المرور بجانب مقر أمن الدولة أو المخابرات الجوية في العاصمة ليظهر الخوف رغم انهيار النظام. حرب 15 عاماً مليئة بالفقدان والهجرة تركت بصماتها على الوجوه.الذاكرة السورية مجروحة، ومليئة بمخلفات سنوات صعبة. سنتان ليستا كافيتين لتبديل معالم الوجوه. جهود السلطات السورية الحالية ظاهرة في الشوارع، وفي أدق التفاصيل من شرطة الم

عودة رمزية إلى دمشق: شاهد على تحول سوريا بعد سقوط الأسد

في خطوة حملت دلالات تاريخية عميقة، زارت مجموعة إعلامية لبنانية بارزة سوريا بدعوة رسمية من وزارة الثقافة السورية، في أول حضور لها على الأراضي السورية منذ سنوات من الغياب الذي بدأ بعد اغتيال أحد قيادييها. قادت الوفد رئيسة المجموعة، وهي ابنة الشهيد الذي راح ضحية الممارسات الأمنية للنظام السابق في لبنان. استقبلتها السلطات السورية الجديدة باهتمام حكومي رسمي، وأكد وزير الثقافة أن الشعب السوري مدين لهذه المنظمة والعائلة بدورهما في مساندة القضايا السورية رغم الثمن الباهظ الذي دفعوه.

حملت الزيارة عمقاً رمزياً فريداً: امرأة فقدت والدها على يد نظام استبدادي تمشي بحرية في عاصمة ذلك النظام، بينما زعيمه الهارب. هذه اللحظة وحدها جسدت انتصار الحرية على القمع، وحرية الحركة على الخوف والاستبداد الذي ساد لعقود.

شهدت الحدود اللبنانية السورية تحولاً ملموساً: اختفت ممارسات الابتزاز والفساد التي كانت سمة من سمات الحواجز الأمنية في السابق. حلت محلها إجراءات احترافية منظمة، مع رفع لافتات تحرم الرشاوى، وتم معالجة الوثائق بكفاءة وسرعة، في مؤشر على تغيير في آليات التعامل الحكومي السوري.

الصورة البصرية للعاصمة شهدت تحولاً جذرياً أيضاً. في الزيارة السابقة بعد سقوط النظام مباشرة، كانت صور الزعماء السابقين لا تزال تغطي الجدران والمباني في كل مكان. أما الآن، فقد اختفت تلك الرموز البصرية للتأليه الشخصي، لتحل محلها هوية بصرية وطنية عامة. هذا التغيير يعكس تحولاً عميقاً في الذهنية السورية من الولاء للشخص إلى الانتماء للمؤسسات والدولة.

تكشف هندسة دمشق المعمارية عن دورها الجيوسياسي التاريخي: أحياء تحمل ملامح معمارية سوفياتية بجانب آخر يشبه الأسلوب الأوروبي، ما يعكس موقعها كممر حضاري وتجاري بين الشرق والغرب، وإمكانية استعادتها كنقطة عبور أساسية للطاقة والتجارة بين القارات.

رغم سقوط النظام، حافظ السوريون على ارتباطهم بالثقافة والفن. قاعات العروض الموسيقية والمتاحف والمواقع التاريخية ما تزال محتفظة برونقها وأهميتها في الحياة الاجتماعية. المسجد الأموي والمتحف الوطني وقصور الآثار والأسواق التقليدية تبقى شاهداً على عمق الهوية الحضارية السورية رغم محاولات النظام السابق طمسها.

لكن الواقع على الأرض يحمل صوراً مختلفة: وجوه سكان دمشق تحمل آثار الإرهاق والخوف. خمسون سنة من حكم استبدادي وخمسة عشر سنة من حرب أهلية تركت جروحاً عميقة في النفوس السورية. الخوف لا يزال حاضراً عند مرور أي شخص بجانب المقار الأمنية السابقة، والشحوب والإرهاق يطبع ملامح كثيرين. الذاكرة الجماعية مليئة بفقدان الأحبة والنزوح والفرقة.

السلطات الحالية تبذل جهوداً ملحوظة لتغيير صورة الدولة في عيون السوريين، من خلال تحسينات في النظافة والنظام والخدمات. إلا أن التحديات لا تزال ضخمة: سنتان ليستا كافيتين لشفاء جراح نصف قرن. ما تم إنجازه مهم، لكن الطريق أمام سوريا طويلة نحو التعافي الحقيقي.

الزيارة كشفت أيضاً تغييراً في العلاقات: الترحيب السوري الحكومي والشعبي بالضيوف اللبنانيين كان دافئاً، مما يعكس رغبة في إعادة بناء جسور التعاون والعلاقات الثنائية على أسس صحيحة. هذا التحول في المعاملة الرسمية والشعبية يشير إلى بدايات تصحيح لصورة علاقات كانت مشبعة بالريبة والخوف والسيطرة لعقود.