فؤاد السنيورة: رجل الدولة بين الواقع والتضليل السياسي

بقلم الكاتب و الباحث السياسي عبد الحميد عجم

فؤاد السنيورة: رجل الدولة بين الواقع والتضليل السياسي

في المشهد السياسي اللبناني، لا تُقاس الأدوار بالألقاب، بل بالفعل والتأثير. وقد أثبت الرئيس فؤاد السنيورة، عبر مسيرته الطويلة، أنه رجل دولة بامتياز، يتحرك ضمن الأطر الدستورية والمؤسساتية، بعيدًا عن منطق الوصاية أو التحكم من خلف الستار.

 

في مقاله المنشور في "نداء الوطن"، وصف الزميل سامر زرق الرئيس السنيورة بـ"المرشد الأعلى"، في إشارة توحي وكأن الرجل يفرض سطوته على القرار السياسي من موقع متخفٍ. لكن هذه الصورة لا تعكس الواقع، بل تندرج في إطار الخطاب السياسي الذي يهدف إلى اختزال تجربة السنيورة في زاوية ضيقة، بعيدًا عن حقائق المشهد السياسي وتعقيداته.

 

إذا كان هناك عنوان لمسيرة الرئيس السنيورة، فهو الالتزام بالدولة والمؤسسات، وليس التفرد أو فرض الهيمنة كما يحاول البعض الإيحاء. فالرجل لم يكن يومًا في موقع "المرشد"، بل كان دومًا أحد أبرز المدافعين عن نهج الدولة، وعن سيادة القرار الوطني ضمن الأطر الدستورية والقانونية.

 

لقد واجه السنيورة تحديات سياسية كبرى، وكان دائمًا في قلب العاصفة، لكنه لم يلجأ إلى أدوات الفرض أو الإقصاء، بل اختار منهجية الحوار والإصلاح، حتى في أصعب المراحل التي مرت بها البلاد. ولو كان بالفعل "مرشدًا أعلى"، كما يصفه المقال، لكان مارس سلوكًا سلطويًا يتناقض مع تاريخه السياسي القائم على الشراكة والتوازن.

 

يرى المقال أن السنيورة خرج عن "مشيئة الحريري"، وكأن العمل السياسي يجب أن يكون قائمًا على الولاء المطلق، وليس على الاجتهاد السياسي المستقل. لكن الواقع أن السنيورة لم يخرج على أحد، بل مارس دوره الطبيعي كسياسي مسؤول يقرأ المتغيرات ويتخذ قراراته وفقًا لما يراه مناسبًا لمصلحة الدولة.

 

إن اختزال العلاقة بين السنيورة وتيار المستقبل في إطار "التمرد"، هو قراءة تبسيطية تتجاهل حقيقة أن السياسة ليست انقيادًا أعمى، بل موازنة دقيقة بين المبادئ والواقع. الأسرة الحريرية قدمت الكثير، لكنها ليست الجهة الوحيدة المخولة بتحديد مستقبل القرار السني.

 

ينتقد المقال ما يصفه بـ"تراجع سقف خطاب السنيورة"، متجاهلًا أن السياسة ليست مجرد شعارات، بل عملية تتطلب الواقعية والتكيف مع المستجدات. السنيورة، بحكم خبرته، يدرك أن التصعيد لا يخدم أي طرف، وأن المطلوب اليوم ليس الانزلاق في معارك داخلية، بل إعادة ترميم الواقع السياسي عبر خطاب عقلاني بعيد عن التشنج.

 

أما الادعاء بأن السنيورة يعتمد على "نخبوية" تجعله بعيدًا عن الجمهور، فهو توصيف غير دقيق. فالقائد السياسي لا يُقاس فقط بشعبيته اللحظية، بل بقدرته على إحداث تغيير حقيقي، وتقديم رؤى تعزز الاستقرار وتحقق الإصلاح. وفي هذا السياق، كان السنيورة دائمًا في موقع المبادر، لا المزايد.

 

في النهاية، تبقى المسيرة السياسية هي المعيار الحقيقي للحكم على القادة، وليس التوصيفات المجازية. والرئيس فؤاد السنيورة، مهما اختلفت الآراء حوله، يبقى أحد الشخصيات التي تركت بصمتها في العمل السياسي اللبناني، بحكمته، وحرصه على استقرار الدولة، ورفضه لأن يكون مجرد تابع أو أداة في لعبة النفوذ.

 

أما من يحاول تصويره كـ"مرشد أعلى"، فالأجدى به تقديم وقائع حقيقية تدعم هذا الادعاء، بدلًا من الاكتفاء برسم صورة نمطية لا تعكس الواقع السياسي وتعقيداته. فالتاريخ لا يُكتب بالاتهامات، بل بالإنجازات والمواقف التي تصمد أمام اختبار الزمن.