لبنان يحترق: مبادرة عون آخر خط دفاع عن الدولة قبل أن يتحول الدمار إلى مصير دائم

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

لبنان يحترق: مبادرة عون آخر خط دفاع عن الدولة قبل أن يتحول الدمار إلى مصير دائم

لبنان اليوم لا يواجه مجرد تصعيد عابر، بل يعيش حرباً شاملة تهدد وجود الدولة ومستقبل شعبها. الضاحية الجنوبية لبيروت تتعرض للقصف، الجنوب والبقاع وبعلبك مدمرة، وحتى العاصمة لم تعد بمنأى عن دائرة الاستهداف. أكثر من 831 ألف نازح اضطروا لمغادرة منازلهم، مئات القتلى وآلاف الجرحى، ومدارس ومراكز تعليمية تحولت إلى ملاجئ طارئة، بينما تبحث العائلات عن أي ملاذ آمن. كل يوم إضافي من الحرب يعني مزيداً من الدمار، ومزيداً من النزوح، ومزيداً من انهيار الدولة، ولبنان لم يعد يملك رفاهية التأجيل.

في هذا المشهد الكارثي، يبرز الدور الحاسم لمبادرة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، الذي فتح مساراً تفاوضياً برعاية دولية. هذه المبادرة ليست مجرد خطوة دبلوماسية، بل محاولة لكسر دائرة الحرب قبل أن تتحول إلى كارثة لا رجعة فيها. التفاوض في زمن الحرب ليس ضعفاً، بل أداة حماية للشعب والدولة، فكل الدول القوية تلجأ إلى السياسة عندما تدرك أن استمرار القتال سيدمر كل شيء. مبادرة عون تعيد لبنان إلى موقع الفاعل، حيث الدولة تحدد مصيرها، لا الفوضى ولا النار ولا الانقسام الداخلي

وتأتي آخر المستجدات الدولية لتعقّد المشهد وتزيد من حساسية القرار اللبناني، إذ كشفت مصادر دولية أن الحكومة الفرنسية أعدت اقتراحاً لإنهاء الحرب في لبنان، يتضمن خطوة غير مسبوقة: الاعتراف بإسرائيل من قبل الحكومة اللبنانية. إسرائيل والولايات المتحدة يراجعون حالياً هذا الاقتراح، الذي يهدف إلى تهدئة الحرب، منع احتلال طويل الأمد للجنوب اللبناني، وزيادة الضغط الدولي لتفكيك أسلحة حزب الله وفتح مسار سياسي طويل الأمد. هذا البعد الدولي يضاعف أهمية مبادرة عون، ويضع لبنان أمام فرصة نادرة للسيطرة على مصيره قبل أن تتحول الحرب إلى خراب شامل.

التاريخ يذكر القادة الذين اتخذوا القرار الصعب في الوقت المناسب، ولبنان اليوم أمام اختبار وجودي: إما أن ينجح في فتح نافذة سياسية توقف الانحدار، أو يترك الحرب تكتب مستقبله، وتصبح الخسارة شاملة لكل شيء. في زمن تتساقط فيه الصواريخ على المدن، تصبح الشجاعة الحقيقية ليست في الصمود فقط، بل في امتلاك الإرادة لإنقاذ الوطن قبل أن يصبح الدمار قدراً دائماً. مبادرة عون، مع الأخذ في الاعتبار الخطة الفرنسية الجديدة، ليست مجرد اقتراح، إنها آخر فرصة للبنان للوقوف على قدميه قبل فوات الأوان.