حين يفعل رئيس غرفة ما عجز عنه نواب ووزراء: دبوسي نموذجًا للدور الغائب للدولة في زمن الانكفاء السياسي،
خاص مراسل نيوز
والعجز الحكومي المزمن، وتراجع الدور التمثيلي للبنان في محيطه العربي، يبرز مشهد لافت يستحق التوقف عنده طويلًا: رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس والشمال، توفيق دبوسي، يتحرك عربيًا ويمارس دورًا وطنيًا–استراتيجيًا، فيما يقف نواب ووزراء طرابلس ولبنان عمومًا خارج المشهد.
ما قام به دبوسي في القاهرة، خلال مشاركته الفاعلة في اجتماعات اتحاد الغرف العربية، لا يمكن اختزاله بخبر بروتوكولي أو نشاط إداري عابر. نحن أمام فعل سياسي–اقتصادي بامتياز، أعاد من خلاله تموضع طرابلس، والشمال، ولبنان، على خريطة الحوار الاقتصادي العربي، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
غياب الدولة… وحضور المبادرة
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
أين الدولة اللبنانية؟
وأين نواب طرابلس ووزراؤها من كل ما يجري عربيًا على مستوى الاقتصاد والاستثمار والتكامل الإقليمي؟
بينما انشغل كثيرون بخطابات شعبوية فارغة، أو بخلافات داخلية عقيمة، خرج دبوسي من الإطار المحلي الضيق، متقدمًا بمبادرة واضحة: توحيد الجهود الاقتصادية العربية، تعزيز بيئة الاستثمار، وتمكين القطاع الخاص كرافعة للاستقرار والتنمية.
هذا الدور، تقليديًا، يفترض أن تقوم به:
وزارة الخارجية
وزارة الاقتصاد
الكتل النيابية
وممثلو الدولة في المحافل العربية
لكن الواقع الصادم أن رئيس غرفة تجارة قام بما لم يجرؤ عليه أو يهتم به نواب ووزراء.
طرابلس… من الهامش إلى القلب العربي
ليست المرة الأولى التي تتحرك فيها غرفة طرابلس والشمال خارج منطق “الموقع المحلي”. لكن مشاركة دبوسي الأخيرة تحمل دلالات أعمق:
إعادة تعريف طرابلس كمنصة اقتصادية متوسطية–عربية
كسر العزلة السياسية التي فُرضت على المدينة
نقل خطاب الشمال من خطاب الحرمان إلى خطاب الشراكة الإقليمية
لقد تحدث دبوسي بلغة المصالح، لا لغة الشكوى، وبلغة المشاريع لا لغة الشعارات. وهذه نقطة فارقة في زمن انهارت فيه مصداقية الخطاب السياسي اللبناني.
دبلوماسية اقتصادية بدل السياسة العقيمة
اللقاءات الثنائية التي عقدها دبوسي مع رؤساء اتحادات وغرف عربية لم تكن مجاملات. كانت دبلوماسية اقتصادية ذكية، تفتح الأبواب أمام:
شراكات استثمارية
تكامل بين غرف التجارة
ربط القطاع الخاص اللبناني بشبكات عربية فاعلة
وهو ما عجزت عنه سفارات، ولجان، ووفود رسمية كلفت الخزينة ملايين الدولارات بلا نتيجة.
عندما يصبح القطاع الخاص ضمير الدولة
ما نشهده اليوم ليس مجرد نجاح فردي، بل تحول بنيوي خطير ومهم:
القطاع الخاص، عبر مؤسساته الجدية، بدأ يملأ الفراغ الذي تركته الدولة.
ودبوسي، في هذا السياق، لا يمثل نفسه فقط، بل:
يمثل مدينة مهمّشة
وقطاعًا خاصًا متروكًا
وبلدًا غائبًا عن محيطه الطبيعي
لقد تصرّف كرجل دولة في زمن غياب الدولة.
الخلاصة: رسالة محرجة للسلطة
ما فعله دبوسي يوجّه رسالة محرجة وقاسية إلى الطبقة السياسية اللبنانية:
يمكن للفعل الجاد أن يعوّض غياب السلطة،
لكن لا يمكن للسلطة أن تعوّض غياب الرؤية.
وإذا كان رئيس غرفة تجارة قادرًا على فتح نوافذ عربية للبنان،
فما هو مبرر وجود نواب ووزراء لا يحسنون سوى إدارة الأزمات الكلامية؟
نحن أمام نموذج يجب دراسته، لا تجاهله.
وأمام تجربة تؤكد أن لبنان لا ينقصه الكفاءات، بل ينقصه القرار السياسي.