"فضيحة وطنية: شهداء طرابلس الأطفال بلا قبرٍ يحميهم ولا دولة تذكرهم"

خاص مراسل نيوز

"فضيحة وطنية: شهداء طرابلس الأطفال بلا قبرٍ يحميهم ولا دولة تذكرهم"

قصة 14 طفلاً تصرخ في وجه الدولة

في بلد يتباهى بالاستقلال ويخفي ذاكرته، تعود طرابلس اليوم لتدقّ باب الضمير الوطني بصوتٍ لا يحتمل التجاهل. قبل أكثر من ثمانين عاماً، خرج أطفال من مدارس ومساجد المدينة ليرفعوا شعارات الحرية، فكان الثمن: 14 شهيدًا لا يتجاوز أكبرهم الخامسة عشرة. وقصتهم، رغم فداحتها، بقيت طيّ النسيان الرسمي طويلاً.

اليوم، عندما عاد اسم هؤلاء الشهداء إلى التداول بعد تذكير رئيس الجمهورية جوزيف عون بوجود ضريحهم في طرابلس، لم تكن المسألة تذكارًا بل استدعاءً لأخلاق دولة فشلت في أن تُحفظ أبسط قواعد التقدير لدماء دافعت عن استقلال الوطن. 

أطفال في مواجهة دبابات الدولة الأجنبية — ثم إهمال الدولة نفسها

تظاهرة 13 تشرين الثاني 1943، التي انطلقت من دار التربية والتعليم الإسلامية ومسجد طينال، لم تكن مسيرة مسلحة؛ كانت نزعة براءة وطنية خرجت لتطالب بالكرامة. واجه هؤلاء الطلاب جنودًا ودبابات السلطة الانتدابية، فسقط 14 منهم شهيداً وأصيب العشرات. هذا المشهد، المأساوي بطبيعته، كان كافيًا ليكون موضع تكريم وذاكرة وطنية — لكن ما جرى بعد ذلك كان نقيض العدالة التاريخية: مقبرة مهملة، شواهد متكسرة، وصمت رسمي يصرّ على نسيان من ضحّوا بأغلى ما يملكون.

عدم تكريم هؤلاء الأطفال ليس إغفالًا بريئًا، بل يعكس آلية أعمق: كيف تُهمّش الدولة مناطقها التي تحدّت القهر، وكيف تُحرم ذاكرة الشعوب من رموزها. طرابلس لم تطلب بطولة؛ لقد تعرّضت للظلم مرتين: مرة حين دُفع أبناؤها ثمرةً للاستقلال، ومرة حين حُرموا الاعتراف والذاكرة.

الدولة تتحدث كثيرًا عن الوطنية، فلتبدأ بالأفعال البسيطة التي تترجم الخطاب إلى واقع:

نصب تذكاري رسمي يليق بشهداء طرابلس.

ترميم الضريح وشواهد القبور ووضع لوحة تشرح القصة.

إدراج قصة شهداء طرابلس في المناهج المدرسية الوطنية.

هذه ليست مطالب محلية محضة؛ هي إجراءات تقوّي النسيج الوطني وتعيد للذاكرة حقها.

حين تُترك قصة بهذا الوزن خارج السرد الرسمي، يظل السؤال: هل الدولة تريد مواطناً ذاكرةً أم مواطناً منسيًا؟ إن إحياء ذِكر هؤلاء الأطفال هو اختبار حقيقي لصِدق الدولة في حديثها عن الوطنية والعدالة.

14 طفلاً من طرابلس ليسوا رقماً في سجل التاريخ. هم مرآة لمدى جِدّية لبنان في احترام تاريخه. إن لم تستطع الدولة أن تكرم من ماتوا ليولد الوطن، فكيف تطالب أحياءً بأن يؤمنوا بمستقبل تُطمس فيه ذِكرياتهم؟