من المعيب استثمار الخلاف: السعودية والإمارات وتاريخ لا يُختصر بعناوين انفعالية

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

من المعيب استثمار الخلاف: السعودية والإمارات وتاريخ لا يُختصر بعناوين انفعالية

قراءة هادئة في تباين الأشقاء بين ضجيج الإعلام ومصالح المنطقة العليا

في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات، يصبح الخلاف مادةً رخيصة لدى

 بعض السياسيين والإعلاميين الذين يحوّلونه إلى استثمار، ويعاملونه كسلعة قابلة للتضخيم والاتجار. وما نشهده اليوم في تناول الخلاف السعودي–الإماراتي ليس نقاشاً استراتيجياً بقدر ما هو مزايدة سياسية وإعلامية خطيرة، تُغذّي التوتر بدل أن تبحث عن جذوره وحلوله.

إنّ من المعيب، أخلاقياً ووطنياً وقومياً، أن يتحوّل أي تباين في وجهات النظر بين دولتين شقيقتين، كالمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، إلى فرصة للشماتة أو التحريض أو تسجيل النقاط. فالعلاقات بين الدول لا تُقاس بمنشور على منصة تواصل، ولا بمقالة غاضبة، ولا بتغريدة شعبوية، بل بميزان التاريخ والمصالح العميقة والروابط التي لا تُكسر عند أول اختبار.

أشقاء لا خصوم

على مدى عقود، شكّلت السعودية والإمارات عموداً فقرياً للاستقرار الخليجي والعربي. تشاركتا الرؤية في لحظات مفصلية، وتكاملتا في ملفات إقليمية كبرى، وتحمّلتا معاً أعباء أمنية واقتصادية وسياسية نيابة عن المنطقة بأسرها. ومن يتجاهل هذا الإرث المشترك، أو يتعامل معه كأنه تفصيل ثانوي، إما جاهل بالتاريخ أو متعمّد لتشويهه

الخلافات بين الدول أمر طبيعي، بل صحي أحياناً، طالما بقيت ضمن إطار إدارة التباين لا تفجيره. أما تصوير أي اختلاف في التكتيك أو الأولويات على أنه “خيانة” أو “انقلاب استراتيجي”، فليس سوى تبسيط مخلّ يخدم أجندات خارجية قبل أن يخدم الحقيقة.

المستفيدون من التعميق

السؤال الجوهري ليس: هل يوجد خلاف؟

بل: من يستفيد من تعميقه؟

التجربة تقول إن كل انقسام عربي–عربي كان دائماً هدية مجانية لقوى لا تريد لهذه المنطقة استقراراً ولا استقلال قرار. وكلما ارتفعت نبرة التخوين، تراجعت القدرة على المعالجة العقلانية، وازدادت شهية المتربصين لاستغلال الشرخ، سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

إن أخطر ما في المرحلة الحالية ليس الخلاف بحد ذاته، بل تحويله إلى معركة رأي عام مفتوحة، تُدار بالانفعال لا بالحكمة، وبالتحريض لا بالدبلوماسية، وبالاستعراض الإعلامي لا بالعقل الاستراتيجي.

ما لا يُقال في الضجيج

بعيداً عن العناوين الصاخبة، تدرك الرياض وأبوظبي أن:

الاستقرار الخليجي مصلحة مشتركة لا بديل عنها.

أي تصعيد غير محسوب سيرتدّ على الجميع بلا استثناء.

الخلافات العابرة لا يمكن أن تلغي حقيقة الأخوّة، ولا تشطب عقوداً من الشراكة.

ولهذا تحديداً، فإن الرهان على القطيعة رهان خاسر، والرهان على الحكمة هو الرهان الرابح، مهما طال الزمن.

التاريخ لا يرحم. وهو لا يذكر من أشعلوا الخلافات، بل من أطفؤوها. ولا يُخلّد من استثمروا في الانقسام، بل من حافظوا على الجسور حين كان هدمها أسهل.

السعودية والإمارات ليستا دولتين عابرتين في الجغرافيا السياسية، بل ركيزتان في معادلة المنطقة. والخلاف بين الأشقاء، مهما اشتدّ، لا يُفقد الودّ ولا يُسقط الأخوّة، طالما بقي العقل حاضراً، والقرار بيد من يعرفون ثمن الفوضى وقيمة الاستقرار.

أما أولئك الذين يقتاتون على الخلاف، فسيكتشفون عاجلاً أم آجلاً أن الضجيج يزول… وتبقى الحقائق.