الاسم الذي يُستعمل أكثر مما يُسمَع: سعد الحريري أمام ساعة الحقيقة

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

الاسم الذي يُستعمل أكثر مما يُسمَع: سعد الحريري أمام ساعة الحقيقة

لم يعد الصمت فضيلة، ولا الانتظار حكمة، ولا الغموض ترفًا سياسيًا في بلد يتهاوى تحت وطأة الانهيار. ما يجري اليوم حول اسم سعد الحريري وتيار المستقبل لم يعد خلافًا في التقدير، بل بات خطرًا وجوديًا يهدد ما تبقّى من الحريرية السياسية، ويحوّلها من مشروع دولة إلى عنوان مُستهلَك يُستخدم من دون تفويض، ويُستثمر من دون مساءلة، ويُستنزف من دون كلفة على من يفعل. الأخطر أن هذا كله يجري فيما صاحب الاسم غائب عن المشهد، صامت عن الفوضى، تاركًا فراغًا يُملأ بقرارات، وتحركات، ورسائل سياسية تُنسب إليه زورًا أو استثمارًا، وتُحمّله أعباء لم يقرّها ولم يعلنها ولم يتحمّل مسؤوليتها علنًا.

اليوم، لم يعد السؤال متى يعود سعد الحريري، بل هل يُسمح له أصلًا بالعودة إذا استمر استهلاك اسمه بهذه الطريقة؟ وهل يُعقل أن يُدار تيار بحجم المستقبل، وبتاريخه، وبتضحياته، وبدمٍ سُفك دفاعًا عن مشروعه، من دون كلمة فاصلة من زعيمه، ومن دون محاسبة داخلية، ومن دون وضوح في القرار والاتجاه؟ إن ما يُتداول سياسيًا وإعلاميًا عن التباسات في الأداء التنظيمي، وشبهات في إدارة المال الانتخابي، وخلط بين القرار الحزبي والمصالح الخاصة، لم يعد همسًا في الكواليس، بل أصبح عبئًا مباشرًا على صورة التيار وصدقيته، وعلى اسم سعد الحريري نفسه، عربيًا ودوليًا.

وهنا تحديدًا تكمن لحظة الخطر القصوى: حين يتحوّل الصمت من خيار شخصي إلى غطاء موضوعي للفوضى، وحين يصبح الامتناع عن إصدار بيان واضح نوعًا من التفويض الضمني لكل من يريد أن يتكلم باسم الحريري، أو يقرّر عنه، أو يفاوض باسمه، أو يضعه في خانات سياسية لم يخترها. إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي زعامة هو أن تُدار بالنيابة، وأن يُختصر تاريخها بأشخاص، وأن تُفرَّغ من معناها عبر إدارة لا تخضع للمساءلة ولا للمحاسبة ولا للمراجعة.

من هنا، فإن المطالبة بإصدار بيان صريح من الرئيس سعد الحريري لم تعد مطلبًا سياسيًا، بل ضرورة إنقاذية، ليس لتبرير موقف، بل لوضع حدّ نهائي لكل الالتباسات، ولإعادة رسم الخط الفاصل بين ما يمثّله فعلًا، وما يُراد إلصاقه به. وبالتوازي، فإن إعادة النظر الجدية في موقع الأمانة العامة لتيار المستقبل، وصولًا إلى تنحية الأمين العام، لم تعد مسألة تنظيمية داخلية أو تصفية حسابات، بل خطوة وقائية لحماية التيار واسم مؤسسه من مزيد من التآكل. الإقالة هنا ليست إدانة، بل إجراء سياسي مشروع تلجأ إليه الأحزاب الحية عندما تصبح كلفة الاستمرار أعلى من كلفة التغيير، وعندما يتحوّل الموقع التنظيمي إلى عبء سياسي بدل أن يكون أداة تنظيم وضبط.

كل يوم تأخير إضافي، كل صمت جديد، كل محاولة للهروب إلى الأمام، يقرّب التيار خطوة إضافية من التفكك المعنوي، ويُضعف موقع سعد الحريري في أي معادلة مستقبلية، ويمنح خصومه ما عجزوا عن أخذه بالمواجهة المباشرة. في السياسة، لا يُحاسَب القادة فقط على ما يفعلونه، بل على ما يتركونه يحدث باسمهم. والزلازل الكبرى لا تبدأ بصوت عالٍ، بل تبدأ حين يطول الصمت أكثر مما يحتمل التاريخ.