حين تحوّلت الكلمة إلى سلاح: كيف حمى قائد الجيش لبنان من الانفجار
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
لم تكن زيارة قائد الجيش اللبناني إلى واشنطن زيارة دعم ولا شراكة ولا تنسيق عسكري.
كانت امتحاناً قاسياً لشيء واحد فقط:
هل لا يزال مسموحاً للبنان أن يتصرّف كدولة؟
السؤال الذي طُرح على قائد الجيش لم يكن سؤالاً أمنياً، ولا عسكرياً، ولا حتى سياسياً بالمعنى التقليدي. كان سؤالاً مفخخاً، موجهاً إلى أخطر نقطة في الكيان اللبناني:
هل تتكلم بلسان الدولة… أم بلسان الخارج؟
حزب الله مشكلة كبرى… لكن تدمير الجيش جريمة أكبر
لنضع الأمور في نصابها بلا تذاكٍ ولا مسايرة:
حزب الله مشكلة وطنية خطيرة.
سلاحه خارج الدولة يقوّض السيادة.
خياراته الإقليمية كلّفت لبنان أثماناً مدمّرة.
وربطه القرار الوطني بمحاور خارجية عطّل قيام الدولة.
لكن كل ذلك لا يبرّر أبداً جرّ الجيش اللبناني إلى مواجهة لغوية–سياسية مدمّرة، ولا تحويل قائده إلى ناطق باسم تصنيفات لا تعتمدها دولته.
من يريد بناء دولة، لا يبدأ بتفكيك جيشها.
ما جرى في واشنطن لم يكن حواراً… بل كميناً
حين سأل السيناتور ليندسي غراهام قائد الجيش إن كان يعتبر حزب الله منظمة إرهابية، لم يكن يبحث عن إجابة، بل عن إذعان.
كان يريد كلمة واحدة، لكنه كان يعرف أن هذه الكلمة ستفعل في الداخل اللبناني ما لا تفعله حرب.
أن يُطلَب من قائد الجيش:
تجاوز موقف الدولة الرسمية
كسر حياد المؤسسة العسكرية
إدخال الجيش في قلب
الانقسام الأهلي
فهذا ليس دعماً ولا شراكة، بل تفخيخ مباشر لآخر مؤسسة جامعة في البلد.
جواب قائد الجيش: مسؤولية لا تواطؤ
حين قال قائد الجيش: «لا، ليس في سياق لبنان»، لم يكن يدافع عن حزب، ولا يبرّر سلاحاً، ولا يناور سياسياً.
كان يضع خطاً أحمر واضحاً بين:
ما تريده واشنطن
وما يستطيع لبنان تحمّله دون أن ينفجر
هذا الجواب أغضب واشنطن، نعم.
لكنّه حمى الجيش من الانقسام،
وحمى الدولة من الانتحار الرمزي،
وحمى لبنان من إدخال مؤسسته العسكرية في صراع لا يملك أدواته ولا نتائجه.
الرسالة التي خرجت من واشنطن أخطر بكثير من تصريح غراهام:
لم يعد الدعم مرتبطاً بالأداء أو الاستقرار، بل باللغة المستخدمة.
هذا تحوّل استراتيجي خطير:
من دعم جيش دولة
إلى محاولة إعادة هندسة دوره السياسي
وحين يصبح المطلوب من الجيش أن يغيّر قاموسه ليحصل على الدعم، نكون أمام ابتزاز سيادي كامل.
البيان الصادر عن السفارة الأميركية في بيروت لم يكن تراجعاً، بل إدارة ذكية للأزمة.
لم يسمِّ حزب الله، لكنه قصده.
لم يصطدم بالجيش، لكنه قيّده.
الرسالة واضحة:
الجيش ما زال مطلوباً…
لكن ضمن مسار سياسي مرسوم سلفاً.
قائد الجيش تصرّف كرجل دولة… لا كموظف
في لحظة كان يمكن أن يختار فيها الطريق الأسهل – إرضاء واشنطن بكلمة – اختار الطريق الأصعب:
أن يبقى وفياً لوظيفته، لا لرغبات الخارج.
أن يحمي المؤسسة، لا صورته.
أن يدافع عن ما تبقى من دولة، لا عن طرف
هذا ليس موقف ضعف.
هذا قرار مسؤول في بلد منهك.
لبنان اليوم لا يُختبر فقط بملف السلاح غير الشرعي، بل بقدرته على الاحتفاظ بمعنى الدولة.
والمعركة الحقيقية لم تعد فقط على الأرض، بل على الكلمات.
حين رفض قائد الجيش الوقوع في فخ التوصيف، لم يدافع عن حزب الله،
بل عن فكرة أن للجيش وظيفة واحدة:
أن يبقى فوق الانقسام، لا وقوداً له.
وفي بلد تتهاوى فيه كل المؤسسات،
قد يكون التمسك بالكلمة المتزنة
آخر أشكال المقاومة العقلانية.