إعلان سقوط دولة: واشنطن تقول “انتهى النظام” والشرق الأوسط يدخل عصر ما بعد إيران

بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري

إعلان سقوط دولة: واشنطن تقول “انتهى النظام” والشرق الأوسط يدخل عصر ما بعد إيران

التصريح الذي أطلقه وزير الحرب الأميركي، حين قال إن الولايات المتحدة “تنتصر على إيران”، وإن “النظام انتهى”، لم يكن مجرد إحاطة صحفية عن سير العمليات العسكرية. كان بيانًا سياسيًا ثقيل الوزن، مكتوبًا بلغة الحسم النهائي، لا بلغة العمليات الجارية. وهذه الفروق الدقيقة هي التي تصنع التاريخ.

حين يقول مسؤول عسكري رفيع: “نضربهم وهم ساقطون أرضًا”، فهو لا يصف تقدمًا تكتيكيًا، بل يرسم صورة انهيار شامل. في العادة، تميل البيانات العسكرية إلى الحذر: “حققنا هذه اللغة ليست مصادفة. إنها جزء من حرب موازية: حرب على الإرادة، على المعنويات، وعلى صورة النظام أمام شعبه وأمام العالم.

تقدمًا”، “نواصل العمليات”، “تم تحييد أهداف”. لكن هنا، اللغة قاطعة، نهائية، أقرب إلى إعلان سقوط لا إلى إدارة معركة.

هذه اللغة ليست مصادفة. إنها جزء من حرب موازية: حرب على الإرادة، على المعنويات، وعلى صورة النظام أمام شعبه وأمام العالم.

التصريحات ركّزت على عناصر بعينها:

مقتل كبار القادة

اختفاء أو اختباء خلفائهم

تدمير البحرية بالكامل

السيطرة الكاملة على المجال الجوي

التحكم بالممرات البحرية

هذا ليس عرضًا لتقدم عسكري فحسب، بل بناء سردية “انهيار الدولة” — وهي أخطر أنواع السرديات في النزاعات الكبرى.

العبارة الأكثر إثارة للانتباه كانت المقارنة بالعملية في العراق “كما نفذناها قبل سنوات”. هنا يتجلى البعد الرمزي العميق.

العراق كان نموذج “الصدمة والرعب”: إسقاط سريع، حسم خاطف، انهيار مؤسساتي متسارع. لكن التاريخ لم يتوقف عند لحظة السقوط. ما تلاها كان عقدًا من الفوضى وإعادة التشكل العنيف.

حين يُستدعى العراق في الخطاب، يُستدعى معه مشهد إسقاط نظام خلال أيام. لكن السؤال الذي لم يُطرح: ماذا بعد الأيام الأربعة الأولى؟

الانتصار العسكري ليس نهاية الحرب، بل بدايتها السياسية.

في الدبلوماسية، تُترك دائمًا مساحات رمادية. أما عبارة “لا توجد أنصاف حلول” فهي إغلاق متعمد لتلك المساحات.

هذه ليست لغة ضغط تفاوضي تقليدي. إنها لغة فرض شروط. بل أكثر من ذلك: لغة إعادة تعريف ميزان القوى بالكامل.

حين يقول الوزير “نحن من نحدد الشروط”، فهو لا يخاطب طهران وحدها، بل يخاطب المنطقة كلها. الرسالة موجهة إلى العواصم الخليجية، إلى تل أبيب، إلى موسكو وبكين، وحتى إلى الداخل الأميركي.

المعنى الضمني: مرحلة الردع الرمزي انتهت، ومرحلة الهيمنة الصريحة بدأت.

الخطاب يعمل في أربع دوائر متزامنة:

تصوير النظام كجسد بلا رأس، وقيادة بلا امتداد. الهدف إحداث شرخ نفسي داخلي قبل أي تغير ميداني حاسم.

طمأنة بأن واشنطن استعادت زمام المبادرة، وأنها قادرة على فرض واقع عسكري خلال أيام

حين يُذكر أن غواصة أميركية أغرقت سفينة إيرانية في المحيط الهندي، فهذه ليست مجرد معلومة عملياتية، بل استعراض لقدرة عابرة للمسرح الإقليمي. إنها رسالة إلى من يراقب من بعي

الحديث عن “مخزون غير محدود من القنابل الدقيقة” و”سهولة إدامة العمليات” يهدف إلى طمأنة جمهور يخشى تكرار سيناريو الحروب الطويلة والمكلفة.

التاريخ العسكري يعلمنا أن أخطر اللحظات ليست لحظة التعثر، بل لحظة الثقة المطلقة.

عندما يُعلن “انتهى أمرهم” بعد أربعة أيام فقط، فإن سقف التوقعات يرتفع إلى حدّه الأقصى. وإذا طال الصراع، أو ظهرت مقاومة غير تقليدية، فإن الفجوة بين الخطاب والواقع قد تتحول إلى مأزق سياسي.

الحروب الحديثة لا تُحسم دائمًا بإسقاط الطائرات أو تدمير السفن. أحيانًا تتحول إلى صراعات إرادة طويلة، وحروب استنزاف غير متكافئة، وإعادة تشكيل بطيئة للنفوذ.

الخطاب يحمل إيحاءً واضحًا بأن المسألة تتجاوز “الردع” أو “الاحتواء”. الحديث عن أن “النظام انتهى” يفتح بابًا كبيرًا: هل نحن أمام محاولة تغيير نظام فعلي، أم أمام ضغط بأقصى قوة لإجبار طهران على قبول معادلة جديدة؟

تغيير النظام يعني الدخول في مرحلة فراغ محتمل، وتحولات داخلية معقدة.

أما إعادة صياغة القواعد فتعني فرض توازن جديد دون تحمّل عبء إدارة ما بعد الانهي

حتى الآن، اللغة تشير إلى الخيار الأول، لكن الوقائع الميدانية وحدها ستكشف أي طريق يجري سلوكه.

قد نكون أمام لحظة تعيد تشكيل الشرق الأوسط كما فعلت حرب العراق قبل أكثر من عقدين. أو قد نكون أمام تصعيد محسوب سينتهي بتفاهمات قاسية تفرض واقعًا جديدًا دون إسقاط كامل.

لكن المؤكد أن ما قيل لم يكن مجرد تصريح عابر.

حين تُعلن قوة عظمى أنها “تتحكم بمصير” دولة أخرى، فإنها لا تغيّر موازين معركة فقط، بل تضع النظام الدولي كله أمام اختبار:

هل ما زال ميزان القوى يُدار بالردع المتبادل، أم أننا أمام عودة صريحة لسياسة الحسم بالقوة؟

الأيام المقبلة لن تحدد فقط مصير المواجهة بين واشنطن وطهران، بل ستكشف إن كنا دخلنا مرحلة جديدة عنوانها:

الهيمنة المباشرة بدل التوازن الحذر.

وفي الحروب الكبرى، لا تكون البداية هي القصة… بل ما يأتي بعدها.