لبنان خارج نموذج الدولة: سيادة موزعة في نظام إقليمي مفتوح
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
ليست مفاوضات واشنطن الأخيرة حدثاً تفاوضياً معزولاً، بل محطة كاشفة لتحول أعمق في بنية الدولة اللبنانية داخل النظام الإقليمي. فالمسألة لم تعد تدور حول وقف إطلاق نار أو ترتيبات أمنية، بل حول طبيعة الكيان السياسي نفسه: هل ما زال لبنان يعمل وفق منطق الدولة ذات السيادة الموحدة، أم وفق نموذج السيادة الموزعة بين الدولة وفاعلين مسلحين وامتدادات إقليمية متداخلة؟
أولاً: انتقال مركز الثقل من الدولة إلى هندسة التوازنات
اللافت في مسار التفاوض أن لبنان لم يظهر كطرف مستقل بالكامل في صياغة الشروط النهائية، بل كجزء من هندسة تفاوضية أوسع تتقاطع فيها الاعتبارات اللبنانية مع حسابات إقليمية ودولية. هذا التحول يعكس انتقالاً تدريجياً من مفهوم “الدولة الطرف” إلى مفهوم “الدولة الساحة”، حيث تصبح الجغرافيا إطاراً لتفاعل قوى تتجاوزها.
ثانياً: ازدواجية القرار السيادي كعامل بنيوي
تُظهر التجربة اللبنانية الممتدة أن احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم لم يعد كاملاً. فوجود قوة عسكرية منظمة خارج مؤسسات الدولة، تمتلك قدرة مستقلة على التأثير في قواعد الاشتباك، خلق نموذجاً مركباً للسيادة.
في هذا النموذج، لا يعود القرار الاستراتيجي نتاج مؤسسة واحدة، بل نتيجة توازن بين مستويات متعددة من الفعل السياسي والأمني، ما يؤدي إلى تداخل دائم بين القرار الرسمي والقرار الفعلي.
ثالثاً: تداخل الإقليمي مع المحلي في إنتاج القرار
لا يمكن قراءة الملف اللبناني بمعزل عن بيئته الإقليمية. فالتجربة الأخيرة تُظهر أن كل تصعيد أو تهدئة في لبنان يرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بمسارات تفاوض أوسع تشمل أطرافاً إقليمية فاعلة.
هذا الترابط لا يلغي القرار المحلي، لكنه يعيد تشكيله داخل شبكة أوسع من الاعتماد المتبادل، حيث تصبح الحدود بين الداخل والخارج أقل وضوحاً من الناحية الوظيفية.
رابعاً: إعادة تعريف مفهوم الاستقرار
في هذا السياق، لم يعد “الاستقرار” يعني فقط غياب الحرب، بل القدرة على تثبيت قواعد اشتباك قابلة للاستمرار بين أطراف متعددة المستويات.
لكن الإشكالية تكمن في أن تعدد مراكز القرار يخلق استقراراً هشاً، يعتمد على التفاهمات غير المباشرة أكثر مما يعتمد على بنية مؤسساتية موحدة.
خامساً: دلالات ما بعد مفاوضات واشنطن
يمكن رصد ثلاث دلالات أساسية:
استمرار ربط الملف اللبناني بالبيئة الإقليمية الأوسع بدل فصله عنها.
بروز حدود قدرة الدولة اللبنانية على التفاوض كطرف سيادي منفرد في الملفات الأمنية العليا.
انتقال النقاش من إدارة الأزمات إلى إعادة تعريف قواعد النظام الأمني نفسه في لبنان.
سؤال السيادة المؤجل
لا يبدو أن مفاوضات واشنطن قد قدّمت حلولاً نهائية بقدر ما أعادت طرح الأسئلة المؤجلة حول طبيعة الدولة اللبنانية.
فالمعضلة المركزية لم تعد في تفاصيل التسويات، بل في تعريف موقع الدولة داخل منظومة تتقاسم فيها أطراف متعددة التأثير على القرار الاستراتيجي.
وبين منطق الدولة ومنطق التوازنات، يبقى لبنان عالقاً في منطقة رمادية: دولة في الشكل، ونظام سيادي موزع في الممارسة.