لبنان على حافة الانهيار: ساعة حزب الله الأخيرة بدأت
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في الشرق الأوسط، لا تبدأ المفاوضات عندما يقرر السياسيون الجلوس إلى الطاولة، بل عندما يقرر ميزان القوة أن الوقت قد حان. ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم المشهد اللبناني المتجه نحو واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ نهاية الحرب الأهلية.
اليوم لا تنظر إسرائيل إلى لبنان باعتباره مجرد جبهة حدودية متوترة، بل باعتباره عقدة أساسية في شبكة النفوذ الإقليمي الإيراني. ولذلك فإن أي حديث عن مفاوضات أو ترتيبات أمنية طويلة الأمد يبدو، في نظر صناع القرار في تل أبيب، سابقاً لأوانه ما لم يطرأ تحول جذري في موقع «حزب الله» داخل المعادلة اللبنانية.
التحول الأهم في المشهد لا يتعلق بلبنان وحده، بل بالبيئة الدولية والإقليمية المحيطة به. خلال السنوات الماضية، كانت الحسابات الإسرائيلية مقيدة بميزان ردع معقد فرضته إيران عبر شبكة حلفائها في المنطقة، إضافة إلى حسابات واشنطن التي كانت حريصة على منع اندلاع حرب إقليمية واسعة. أما اليوم، فقد تغيّر السياق. فالمواجهة المفتوحة بين إسرائيل وإيران، وتزايد الضغوط على القدرات العسكرية الإيرانية، يفتحان الباب أمام مرحلة مختلفة تماماً في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي.
ضمن هذا الإطار، لم يعد الهدف الإسرائيلي في لبنان مقتصراً على احتواء التوتر أو منع التصعيد المؤقت، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إعادة تشكيل قواعد اللعبة نفسها. فتل أبيب تدرك أن أي ترتيبات أمنية قابلة للاستمرار على حدودها الشمالية لن تكون ممكنة طالما بقي «حزب الله» يحتفظ بقدرات عسكرية مستقلة عن الدولة اللبنانية.
لكن المعضلة الأساسية تكمن في أن إسرائيل، مهما بلغت قوتها العسكرية، لا تستطيع وحدها إعادة تشكيل الواقع السياسي داخل لبنان. فالمعادلة اللبنانية بطبيعتها شديدة التعقيد، حيث تتداخل التوازنات الطائفية مع الحسابات الإقليمية والدولية. لذلك تراهن إسرائيل، إلى جانب الضغط العسكري، على متغيرات داخلية قد تدفع الدولة اللبنانية في نهاية المطاف إلى لعب دور أكبر في ضبط السلاح خارج مؤسساتها.
وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة المقبلة. فكلما تعمق الضغط العسكري والاقتصادي على لبنان، يزداد خطر انتقال الصراع من مجرد مواجهة عسكرية محدودة إلى أزمة داخلية أوسع تمس البنية الاجتماعية والسياسية للبلاد. التاريخ اللبناني يثبت أن مثل هذه اللحظات غالباً ما تكون مفصلية، لأنها تعيد رسم حدود السلطة والنفوذ داخل الدولة.
في المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أن لبنان يقف اليوم أمام معادلة صعبة: فالدولة الضعيفة اقتصادياً والمؤسسات المنهكة سياسياً تجد نفسها في قلب صراع إقليمي يتجاوز قدرتها على التحكم بمساره. وبينما تسعى بعض القوى الدولية إلى دفع بيروت نحو مسار تفاوضي طويل الأمد مع إسرائيل، فإن هذا المسار سيظل معلقاً على سؤال واحد حاسم: من يملك القرار العسكري على الأرض اللبنانية؟
التاريخ القريب للمنطقة يقدم درساً واضحاً: المفاوضات لا تنجح عندما تكون مجرد محاولة لتجميد الصراع، بل عندما تعكس واقعاً جديداً في ميزان القوة. ولذلك فإن المرحلة المقبلة في لبنان قد تكون بالفعل عاصفة وحاسمة، ليس لأنها ستحدد فقط مستقبل العلاقة مع إسرائيل، بل لأنها قد تعيد تعريف طبيعة الدولة اللبنانية نفسها.
في نهاية المطاف، قد يجد اللبنانيون أنفسهم أمام لحظة تاريخية نادرة: إما أن يتحول لبنان إلى ساحة دائمة لصراعات الآخرين، أو أن تنبثق من قلب العاصفة فرصة لإعادة بناء دولة قادرة على احتكار قرار الحرب والسلم.
وبين هذين الخيارين، ستتحدد ملامح الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة.