الفرصة الأخيرة للبنان: دولة تُولد… أم دولة تُدفن؟”
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
ليست هذه هدنة عابرة.
وليست مجرد أسابيع إضافية أعلنها .
ما يُعرض على لبنان اليوم أخطر من حرب… لأنه يحدّد إن كان سيبقى دولة، أم يتحول نهائيًا إلى ساحة.
لأول مرة منذ أكثر من سبعين عامًا، تُفتح نافذة حقيقية
ليست مثالية، لكنها واقعية أمام لبنان للخروج من منطق الصراعات إلى منطق الدولة.
لكن المشكلة لم تكن يومًا في غياب الفرص… بل في القدرة على التقاطها.
اليوم، المعادلة واضحة وقاسية في آن واحد:
إما دولة واحدة بقرار واحد،
أو استمرار الانهيار بأشكال مختلفة.
في هذا السياق، يبرز موقف كإعلان سيادي لا يحتمل الالتباس: لا اتفاق دون انسحاب إسرائيلي كامل، لا منطقة عازلة، ولا تسوية على حساب الأرض أو الناس.
هذا ليس خطابًا تفاوضيًا فقط، بل تأكيد أن الدولة اللبنانية حين تقرر. تعرف ماذا تريد.
لكن في المقابل، هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها:
لا يمكن لأي دولة أن تفاوض وهي منقسمة على نفسها،
ولا يمكن لأي سيادة أن تكتمل ما دام القرار موزعًا خارج مؤسساتها.
لبنان لم يُستنزف فقط بسبب اعتداءات إسرائيل، ولا فقط بسبب صراعات المنطقة التي تقودها إيران، بل أيضًا لأن الدولة لم تكن المرجعية الوحيدة للقرار.
وهذه الحقيقة، مهما كانت قاسية، هي نقطة البداية لأي إنقاذ فعلي.
اليوم، الفرصة موجودة. لكنها ليست مجانية.
هي تتطلب قرارًا واضحًا:
أن يختار لبنان أن يكون دولة فعلًا، لا ساحة.
وفي قلب هذه اللحظة، يقف أمام مسؤولية تاريخية.
ليس المطلوب إدارة أزمة، بل قيادة تحول:
من واقع تُفرض فيه التوازنات… إلى دولة تفرض هي قواعدها.
المشكلة لم تعد بين لبنان وإسرائيل فقط، ولا بين لبنان وأزماته الداخلية،
بل بين نموذجين واضحين:
دولة تحكم نفسها… أو واقع تُحكم فيه الدول من خارج مؤسساتها.
وهذا لم يعد شأنًا لبنانيًا فقط،
بل صورة تتكرر في أكثر من مكان في العالم، حيث تتحول الدول إلى ساحات عندما تفقد قرارها.
اللحظة الحالية لا تتكرر.
والتاريخ لا يمنح الدول فرصًا غير محدودة.
لبنان اليوم أمام خيار لا يحتمل التأجيل:
إما أن يلتقط لحظة الدولة
بكل ما تتطلبه من قرارات صعبة
أو يثبت مرة جديدة أنه قادر على تضييع حتى الفرصة الأخيرة.
لأن الدول لا تُقاس بعدد الحروب التي تخوضها…
بل بقدرتها على اتخاذ القرار عندما تصبح الفرصة ممكنة.
ولبنان اليوم لا يواجه خطر الحرب فقط،
بل خطر أن يثبت. أمام العالم نه حين تأتيه الفرصة… لا يعرف كيف يلتقطها.