هل هي صدفة أم رسالة؟ لبنان بين مفاوضات الدولة وحدود الفتنة
بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري
في توقيت بالغ الحساسية يتقدّم فيه مسار التفاوض الذي يقوده جوزيف عون ونواف سلام، لا يمكن التعامل مع ما شهدته بيروت بوصفه حادثين منفصلين. حين تقع توترات في بيئتين مختلفتين سنّية...... ومسيحية وبوتيرة متقاربة، فإن القراءة الأمنية وحدها لا تكفي؛ نحن أمام مشهد يتقاطع فيه الميداني مع السياسي، والداخلي مع الإقليمي، في لحظة تُعاد فيها صياغة توازنات المنطقة.
لبنان، بطبيعته، لا يعيش على هامش الصراعات، بل في قلب ارتداداتها. ومع أي حراك إقليمي، ولا سيما المبادرات التي تدفع نحو تثبيت الاستقرار وتحييد الساحات الهشّة، وفي مقدّمها التحرك الذي تقوده السعودية، تظهر على الأرض مؤشرات تُشبه “اختبارات الضغط”: حوادث، احتكاكات، ووقائع تُقاس عبرها حدود الدولة وقدرتها على الإمساك بالمشهد. هنا تحديدًا يبدأ السؤال الذي لا يمكن القفز فوقه: هل ما جرى مجرّد خلل ميداني، أم رسالة تُكتب بلغة الشارع في لحظة تفاوض؟
خطورة هذه اللحظة لا تكمن في الحدث نفسه، بل في الاتجاه الذي يمكن أن ينزلق إليه. لبنان لا يحتاج إلى قرار مركزي كي تندلع فيه الفتنة؛ يكفي أن تُفتح ثغرة صغيرة، وأن تُغذّى بسرديات طائفية، حتى تتسع على نحو لا يمكن احتواؤه. وعندما تُلامس الوقائع خطوط التماس بين الطوائف، يصبح أي احتكاك مشروع أزمة وطنية، لا مجرد إشكال أمني.
في هذا السياق، يُستدعى اسم حزب الله في التداول العام. المقاربة المهنية لا تقوم على الاتهام، بل على قراءة التوقيت والسياق. لا أدلة حاسمة تُجيز الجزم، لكن تزامن الأحداث مع مسار تفاوضي دقيق يفرض طرح الأسئلة بصراحة: هل تُستخدم الوقائع الميدانية كأدوات ضغط غير مباشرة؟ وهل ثمة من يختبر حدود الدولة في لحظة إعادة رسم المعادلات؟
مهما تكن الإجابات، تبقى قاعدة واحدة غير قابلة للتفاوض: تحويل أي حادث إلى صراع سنّي.......شيعي أو مسيحي......إسلامي هو خط أحمر وجودي. هذه ليست مسألة مواقف سياسية، بل مسألة بقاء. لأن لبنان لا يسقط دفعة واحدة، بل يتآكل عبر تراكم “أحداث صغيرة” تُستثمر خطأ حتى تصبح أزمة كبيرة.
الدولة هنا أمام اختبار لا يحتمل الرمادية. ليس المطلوب إدارة ردّ فعل، بل فرض منطق: تحقيقات شفافة، محاسبة واضحة، وانضباط كامل في أداء الأجهزة. أي تهاون سيُقرأ ضعفًا، وأي ضعف في هذه المرحلة سيتحوّل تلقائيًا إلى فرصة للاستثمار السياسي أو التصعيد الميداني. في المقابل، الحزم القانوني يعيد رسم الحدود ويُغلق باب الفتنة قبل أن يُفتح.
لبنان يقف اليوم عند تقاطع خطير: مفاوضات تتقدّم في الغرف المغلقة، وتوترات تختبر الشارع في العلن. بين الاثنين، يُرسم مستقبل البلد. هنا لا تكفي البيانات، ولا تنفع التفسيرات المريحة. المطلوب قرار واضح يعلو فوق الحسابات: حماية السلم الأهلي قبل أي مكسب، وتثبيت مرجعية الدولة قبل أي توازن.
في لحظة كهذه، لا يعود الصمت حيادًا، بل مخاطرة. ولا يعود الخطأ تفصيلاً، بل شرارة محتملة. وأي جهة، أيًّا كانت، تعتقد أنها تستطيع استخدام الشارع أو الاقتراب من الحافة الطائفية لإرسال رسائل سياسية، فهي لا تضغط على خصومها… بل تضغط على لبنان نفسه.
المعادلة حاسمة ولا تحتمل التأويل:
المفاوضات مستمرة، الدولة هي المرجعية الوحيدة، والفتنة خط أحمر مطلق.
وما دون ذلك ليس سياسة… بل انزلاق نحو المجهول.