السعودية لا تخشى الحرب… لكنها ترفض أن تُكتب المنطقة بدم الفتنة

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

السعودية لا تخشى الحرب… لكنها ترفض أن تُكتب المنطقة بدم الفتنة

في الشرق الأوسط، لم يعد السؤال ما إذا كانت الحرب ممكنة، بل أيّ نوع من الحروب قد يُفرض على المنطقة إذا انفلتت الحسابات. فالإقليم يعيش بالفعل حالة مواجهة مفتوحة، وإن لم تُعلن رسمياً، حيث يتصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل عبر ساحات متعددة، وتتمدّد تداعياته لتطال دولاً لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع. وقد شهد الخليج في مراحل سابقة هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في مؤشر واضح على أن النار ليست بعيدة، بل تُدار ضمن حدود دقيقة بانتظار لحظة قد تتجاوز فيها هذه الحدود.

وسط هذا المشهد المعقّد، تتعرض السعودية لقراءات تختزل موقفها في الحذر أو التردد، بينما الواقع يعكس خياراً مختلفاً تماماً. فالدولة التي تمتلك من القدرات العسكرية والاقتصادية ما يؤهلها لخوض مواجهة واسعة، هي نفسها التي تدرك أن الدخول في حرب بهذا الشكل قد لا يحقق نصراً بقدر ما يفتح الباب أمام صراع يتجاوز السيطرة. لأن أي مواجهة مباشرة في هذا التوقيت لن تبقى ضمن إطارها العسكري، بل مرشحة لأن تتحول إلى نزاع يتغذى من الانقسامات المذهبية، ويعيد تشكيل المنطقة على أسس أكثر هشاشة وخطورة.

ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن حقيقة أن سلوك إيران الإقليمي لم يتراجع، بل استمر في اختبار حدود الردع، مستفيداً من واقع دولي لم ينجح في تثبيت معادلة توازن مستقرة. وفي المقابل، فإن السياسات التي ارتبطت بنهج دونالد ترامب، رغم ما حملته من تصعيد، لم تُنتج ردعاً حاسماً بقدر ما رفعت منسوب التوتر من دون إغلاق مساراته. وبين ضغطٍ يتصاعد وردعٍ لم يكتمل، تجد المنطقة نفسها أمام معادلة قابلة للانفجار في أي لحظة.

في هذا السياق، لا يبدو القرار السعودي بالامتناع عن الانجرار إلى الحرب تعبيراً عن تردد، بل عن إدراك عميق بأن الخطر الحقيقي لا يكمن في اندلاع مواجهة عسكرية، بل في طبيعتها إذا تحولت إلى صراع طائفي مفتوح. فالتجارب السابقة في المنطقة أثبتت أن الحروب يمكن احتواؤها أو إنهاؤها، أما الفتن، إذا اشتعلت، فإنها تعيد إنتاج نفسها لعقود، وتفكك الدول من الداخل قبل أن تعيد رسم حدودها.

السعودية، وهي تدير هذا التوازن الدقيق، لا تنطلق من حسابات آنية فقط، بل من رؤية أوسع ترتبط بمستقبل المنطقة ككل. فالمشاريع الكبرى المرتبطة بـ رؤية 2030 لا يمكن أن تنمو في بيئة إقليمية مضطربة، كما أن الاستقرار لم يعد خياراً سياسياً فقط، بل شرطاً وجودياً لأي تحول اقتصادي حقيقي. من هنا، يصبح الحفاظ على التوازن الإقليمي جزءاً من استراتيجية أشمل، لا تقل أهمية عن أي معادلة عسكرية.

وفي عالم يتجه نحو قرارات حادة وسريعة، كما عكسته مقاربات تبناها دونالد ترامب، تطرح السعودية نموذجاً مختلفاً في إدارة الأزمات، يقوم على أن القوة لا تُقاس فقط بالقدرة على المواجهة، بل بالقدرة على تجنب الانفجار عندما تكون كلفته أكبر من نتائجه. وهذا التحول في فهم القوة يعكس انتقالاً من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل المدروس، حيث يصبح ضبط النفس أداة استراتيجية بحد ذاته.

إن الرهان الحقيقي اليوم لا يتعلق بمن يملك القدرة على إشعال الحرب، بل بمن يملك القدرة على منعها من التحول إلى كارثة ممتدة. فاندلاع صراع بطابع طائفي لن يمنح أي طرف نصراً حقيقياً، بل سيؤدي إلى استنزاف شامل يعيد المنطقة إلى نقطة أكثر هشاشة، ويفتح المجال أمام قوى لا تبحث عن الاستقرار بقدر ما تستثمر في الفوضى.

من هنا، لا يمكن فهم الموقف السعودي إلا كخيار قوة، لا كعلامة تردد. فهو يعكس دولة تدرك أن أخطر ما يواجه الشرق الأوسط ليس غياب المواجهة، بل شكلها إذا خرجت من إطار السياسة إلى منطق الانقسام. وبين تصعيد لا يضع حدوداً وردع لم يكتمل، تختار السعودية أن تتحرك وفق معادلة مختلفة: حماية الاستقرار أولاً، ومنع سقوط المنطقة في صراع لا نهاية له.

في النهاية، لن يُسأل التاريخ فقط عمّن خاض الحروب، بل عمّن منعها من التحول إلى فتنٍ لا تنتهي. وهنا تحديداً، يتحدد الفرق بين من يملك القوة… ومن يملك الرؤية.