لبنان بلا تسوية: الصراع لم يعد على السياسة… بل على من يملك الشرعية

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

لبنان بلا تسوية: الصراع لم يعد على السياسة… بل على من يملك الشرعية

لبنان اليوم لا يعيش أزمة حكم… بل أزمة من يملك حق إعلان الحرب.

في لحظةٍ تتكشّف فيها الحقائق بلا أقنعة، لم يعد الانقسام في لبنان مجرّد خلاف سياسي، بل تحوّل إلى صراعٍ حاسم بين منطقين لا يلتقيان: منطق الدولة، ومنطق العقيدة. هنا، لا نقف أمام تباين في وجهات النظر بين جوزيف عون ونعيم قاسم، بل أمام مواجهة على تعريف لبنان نفسه: هل هو دولة، أم ساحة؟

الدولة، كما يطرحها الرئيس جوزيف عون، ليست شعارًا ولا خطابًا، بل وظيفة واضحة: قرار مركزي، سيادة مكتملة، وحروب لا تُخاض إلا بإرادة وطنية جامعة. الدولة تفاوض… لأنها مسؤولة. الدولة تحسب… لأنها تدفع الثمن من دم شعبها واقتصادها واستقرارها.

في المقابل، تقف عقيدة لا ترى في الدولة مرجعية نهائية. عقيدة تُعيد تعريف الصراع باعتباره جزءًا من معركة أكبر، تتجاوز الحدود والجغرافيا. هنا، لا تكون الحرب خيارًا، بل مسارًا مفتوحًا، ولا يكون السلاح أداة، بل هوية قائمة بذاتها. العقيدة تقاتل… لأنها تعتبر القتال قدرًا.

الدولة تفاوض… والعقيدة تقاتل.

الدولة تبحث عن نهاية للحرب… والعقيدة تعيش داخلها.

من هنا، تأتي خطورة التحوّل الذي أحدثه خطاب الرئيس جوزيف عون، حين أعاد تعريف مفهوم “الخيانة” بوضوح غير مسبوق: الخيانة ليست في التفاوض، بل في أخذ البلاد إلى الحرب لخدمة مصالح خارجية. هذه ليست جملة سياسية عابرة، بل محاولة لكسر احتكار طويل لمفهوم الوطنية، وإعادة وضعه تحت سقف الدولة، لا خارجها.

في المقابل، يأتي الرد من حزب الله ليؤكد عمق الفجوة: رفضٌ للمفاوضات، وإنكار لنتائجها حتى قبل أن تتبلور، وتمسّك بالسلاح باعتباره الضامن الوحيد. هنا، لا يدور الخلاف حول كيفية حماية لبنان، بل حول من يملك حق اتخاذ القرار باسمه.

المشكلة ليست في السلاح… بل في من يقرر متى يُستخدم.

وليست في الحرب… بل في من يختار توقيتها.

وعندما يتداخل هذا الصراع الداخلي مع حسابات الخارج، تصبح الصورة أكثر وضوحًا وخطورة. فلبنان لم يعد فقط ساحة تجاذب داخلي، بل نقطة تقاطع لمشاريع إقليمية، حيث يتقدّم تأثير إيران في رسم إيقاع المواجهة، في مقابل دعم واضح لمسار الدولة من المملكة العربية السعودية وشركائها. وهنا، يتراجع السؤال المحلي أمام سؤال أكبر: هل القرار لبناني فعلًا؟

وفي ظل هذا التشابك، تأتي رسائل بنيامين نتنياهو لتضيف طبقة أخرى من التعقيد، حين يؤكد استمرار حرية العمل العسكري. هذا يعني أن الحرب لم تنتهِ، وأن أي فراغ في القرار اللبناني سيُملأ بالقوة من الخارج. لبنان هنا ليس فقط أمام خطر الانقسام… بل أمام خطر أن يُدار مصيره من الآخرين.

هناك من يريد وطنًا… وهناك من يريد ساحة.

وهناك شعب يدفع ثمن الاثنين.

المعضلة لم تعد قابلة للتأجيل. لأن الدولة، إن لم تحتكر قرار الحرب والسلم، تبقى مشروعًا ناقصًا. والعقيدة، بطبيعتها، لا تعترف بهذا الاحتكار. من هنا، فإن الحديث عن تسوية بين الطرفين يبدو أقرب إلى وهمٍ سياسي، لأن الخلاف لم يعد على السياسات، بل على تعريف الشرعية نفسها.

في النهاية، لا يمكن لوطن أن يعيش بلغتين متناقضتين إلى الأبد.

ولا يمكن لشعب أن يتحمّل حربين: واحدة على أرضه… وأخرى على هويته.

لبنان لن يسقط لأنه ضعيف…

بل لأنه لم يحسم بعد: هل يريد أن يكون دولة… أم ساحة حرب.