لبنان أمام اختبار الوجود: إعادة بناء الدولة في ظل حرب إقليمية شاملة
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
لم يعد لبنان يعيش أزمة سياسية تقليدية يمكن احتواؤها عبر تسويات ظرفية أو تفاهمات جزئية. ما يجري اليوم هو انتقال تدريجي نحو مرحلة أكثر خطورة، عنوانها الأساسي تداخل الداخل اللبناني مع حرب إقليمية مفتوحة تشمل إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ما جعل الساحة اللبنانية عرضة مباشرة لتأثيرات تتجاوز قدرته الداخلية على الضبط والسيطرة.
في هذا السياق، لم يعد السؤال مرتبطًا بمن يربح أو يخسر سياسيًا داخل لبنان، بل بكيفية منع انهيار المنظومة ككل. فالدولة اللبنانية اليوم لا تواجه فقط ضغطًا اقتصاديًا أو انقسامًا سياسيًا، بل تواجه تحديًا أعمق يتعلق بقدرتها على احتكار القرار السيادي والأمني ضمن حدودها الجغرافية
الواقع الحالي يكشف بوضوح أن أي اهتزاز إقليمي يتحول فورًا إلى ارتداد داخلي لبناني، وأن غياب مركز قرار موحد يجعل البلاد في حالة استجابة دائمة للأحداث بدل أن تكون في موقع إدارة هذه الأحداث. ومن هنا، تصبح الأولوية القصوى هي إعادة تثبيت منطق الدولة كمرجعية وحيدة للقرار، بعيدًا عن أي ازدواجية أو تداخل في مراكز القوة.
في هذا الإطار، تبرز أهمية أي مقاربة دولية أو إقليمية تهدف إلى دعم الاستقرار اللبناني، خصوصًا تلك التي تعمل على تحييد لبنان عن مسار الصراعات المفتوحة، وإعادة إدخاله في مسار سياسي منضبط يقوم على التدرج لا الصدام. غير أن نجاح أي مقاربة من هذا النوع يبقى مرتبطًا بقدرة الداخل اللبناني على الالتقاء حول حد أدنى من التفاهم الوطني.
ولا يمكن تجاهل أن السعودية تلعب دورًا متزايد الأهمية في هذا السياق، ليس كطرف في الصراع الداخلي، بل كقوة إقليمية تسعى إلى دعم الاستقرار ومنع الانهيار. هذا الدور يتمثل في دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، وتشجيع منطق التوافق بين القوى السياسية، والعمل على منع انتقال التوترات الإقليمية إلى داخل الساحة اللبنانية. كما أن هذا المسار يلتقي مع جهود أوسع تهدف إلى تقليل انعكاسات الحرب الإقليمية على الدول الهشة، وفي مقدمتها لبنان.
أما على المستوى البنيوي، فإن التحدي الأساسي يبقى في معالجة الخلل في وظيفة الدولة نفسها، حيث لا يمكن تحقيق الاستقرار من دون إعادة بناء مركز القرار الأمني والسياسي تحت سقف واحد. وهذا لا يتم عبر المواجهة أو الإقصاء، بل عبر مسار تدريجي طويل يعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومختلف القوى الفاعلة ضمنها، وصولًا إلى تعزيز سلطة المؤسسات الشرعية وعلى رأسها الحكومة ومرافقها التنفيذية، بما في ذلك السرايا الحكومية.
إن أي قراءة واقعية للمشهد اللبناني تظهر أن البلاد تقف أمام لحظة فاصلة: إما الدخول في مسار إعادة بناء الدولة على أسس جديدة أكثر تماسكًا، أو استمرار التآكل التدريجي الذي قد يقود إلى فقدان القدرة على التحكم بمسار الأحداث. وفي كلتا الحالتين، لم يعد ممكنًا التعامل مع الوضع اللبناني بمنطق إدارة الأزمة، بل بمنطق إعادة تأسيس الدولة.
في المحصلة، لبنان اليوم ليس أمام أزمة عابرة، بل أمام اختبار وجودي يتعلق بقدرته على الاستمرار كدولة قابلة للحكم. والخيار الحاسم لم يعد في التفاصيل السياسية اليومية، بل في الإجابة عن سؤال واحد: هل يمكن إعادة إنتاج دولة قادرة على احتكار القرار ومنع الانزلاق إلى الفوضى في ظل بيئة إقليمية مشتعلة؟
الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل لبنان، بل موقعه في الخريطة الإقليمية خلال السنوات المقبلة.