حين تتحول الإهانة إلى سلاح: واشنطن تبدأ حرب إسقاط الهيبة في إيران"
بقلم هئية التحرير خاص مراسل نيوز
في الحروب الكبرى لا تكون الكلمات أقل خطورة من الصواريخ. أحيانًا تكون الجملة الواحدة جزءًا من المعركة بقدر ما تكون الضربة الجوية. وهذا ما يمكن فهمه بوضوح من التصريحات الأخيرة لوزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، التي لم تكن مجرد عرض عسكري للأرقام، بل خطابًا مدروسًا بعناية ضمن معركة أوسع: معركة الرواية والهيبة والشرعية.
عندما يصف مسؤول عسكري رفيع القيادة الإيرانية بأنها "يائسة ومختبئة" ويشبهها بـ"الجرذان"، فهو لا يخاطب الصحفيين فقط. هذه اللغة موجهة إلى ثلاثة جماهير مختلفة في وقت واحد: الداخل الإيراني، الرأي العام الدولي، ودوائر السلطة في طهران نفسها.
أولًا، الرسالة الموجهة إلى الداخل الإيراني. التشكيك المتكرر في حالة المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، والتركيز على أنه أصيب وربما تعرض لتشوهات، ليس مجرد معلومة استخباراتية إن صحّت، بل محاولة واضحة لضرب صورة القيادة في لحظة انتقال حساسة. الأنظمة السياسية التي تعتمد على مركزية السلطة الشخصية تصبح أكثر هشاشة عندما يُشكك في قدرة القائد أو حضوره. ولذلك فإن التركيز على غياب الصوت والصورة في بيان المرشد الجديد ليس تفصيلًا إعلاميًا عابرًا، بل محاولة لزرع سؤال بسيط لكنه خطير: هل القائد موجود فعلًا وقادر على الحكم؟
ثانيًا، الرسالة إلى العالم. عندما يعلن وزير الدفاع أن إيران "لا تملك دفاعات جوية ولا قوة جوية ولا قوة بحرية"، وأن آلاف الأهداف قد ضُربت، فإن الهدف يتجاوز توصيف الوضع العسكري. هذه صياغة لرواية استراتيجية مفادها أن إيران لم تعد قوة ردع إقليمية، بل نظام يتعرض لتآكل سريع في قدراته. مثل هذه الرواية مهمة للغاية في السياسة الدولية، لأنها تخلق تصورًا عامًا بأن ميزان القوة قد حُسم، وأن أي تصعيد إضافي لن يكون مغامرة بل خطوة محسوبة.
ثالثًا، الرسالة الأهم ربما كانت موجهة إلى النخبة الحاكمة داخل إيران. التاريخ السياسي يثبت أن الأنظمة لا تسقط فقط تحت ضغط خارجي، بل عندما يبدأ الشك في الانتشار داخل دوائرها المغلقة. الحديث عن قيادة "خائفة ومصابة وتفتقر إلى الشرعية" ليس مجرد وصف، بل محاولة لدفع بعض مراكز القوة داخل النظام للتفكير في سؤال وجودي: هل ما زال النظام قادرًا على الصمود؟
أما الأرقام التي طُرحت حول تدمير آلاف الأهداف وانخفاض قدرات الصواريخ بنسبة 90%، فهي جزء من لغة الردع المعروفة في الحروب الحديثة. في مثل هذه اللحظات، لا تكون الأرقام مجرد بيانات عسكرية، بل أدوات سياسية تُستخدم لتضخيم صورة التفوق وإقناع الخصم بأن المعركة قد حُسمت سلفًا.
لكن خلف كل ذلك يكمن سؤال أكبر: لماذا تُستخدم هذه اللغة الآن؟
الجواب المحتمل هو أن المعركة لم تعد فقط عسكرية، بل معركة على شكل النظام الإقليمي نفسه. فإذا كانت إيران تُصوَّر كدولة فقدت معظم قدراتها العسكرية، فإن ذلك يفتح الباب لرسم توازنات جديدة في الشرق الأوسط، ويمنح خصومها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الخريطة الاستراتيجية للمنطقة.
لهذا السبب تحديدًا، لم يكن تصريح وزير الدفاع الأمريكي مجرد مؤتمر صحفي عابر. كان رسالة متعددة الطبقات، جزءًا من حرب نفسية واسعة، ومحاولة لإعادة تعريف صورة القوة والضعف في واحدة من أكثر مناطق العالم توترًا.
في الحروب الحديثة، قد تبدأ المعارك بالصواريخ، لكنها كثيرًا ما تُحسم بالروايات. وما نسمعه اليوم قد يكون بداية فصل جديد في صراع لم تُكتب نهايته بعد.