عندما يُغلق مضيق هرمز: الزر الصغير الذي قد يفجّر زلزالًا اقتصاديًا في العالم
بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري
في كل مرة تتصاعد فيها التوترات في الخليج، يعود اسم مضيق هرمز إلى الواجهة باعتباره الشريان الأكثر حساسية في الاقتصاد العالمي. فهذه البقعة البحرية الضيقة، التي لا يتجاوز عرضها في بعض المناطق عشرات الكيلومترات، تحمل على عاتقها مسؤولية عبور ما يقارب خُمس النفط المتداول في العالم.
لكن ما يحدث اليوم يثبت أن هذا الشريان ليس مجرد ممر جغرافي، بل نقطة ارتكاز يمكن أن تهز الاقتصاد العالمي بأكمله.
مع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لم يعد الحديث عن خطر إغلاق المضيق مجرد سيناريو نظري. فقد تراجعت حركة الملاحة بشكل حاد، وتوقفت العديد من شركات الشحن عن العبور بسبب المخاطر الأمنية، ما جعل المضيق عمليًا في حالة شلل شبه كامل.
النتيجة جاءت سريعة في الأسواق العالمية. فقد قفزت أسعار النفط إلى ما يقارب 100 دولار للبرميل، في إشارة واضحة إلى مدى هشاشة النظام الطاقوي العالمي عندما يتعرض هذا الممر الحيوي لأي اضطراب.
هنا يبرز السؤال الذي ظل معلقًا لعقود:
نظريًا تبدو الإجابة بسيطة: بناء خطوط أنابيب تنقل النفط والغاز عبر دول المنطقة لتجاوز هذا الممر البحري الحساس. لكن الواقع أكثر تعقيدًا بكثير.
إنشاء خطوط أنابيب عابرة للحدود ليس مجرد مشروع هندسي، بل هو معادلة سياسية وأمنية واقتصادية معقدة. فكل كيلومتر من هذه الأنابيب يحتاج إلى اتفاقيات دولية، وضمانات أمنية طويلة الأمد، واستثمارات ضخمة بمليارات الدولارات.
خذ مثال قطر، إحدى أكبر الدول المصدرة للغاز الطبيعي في العالم.
رغم ثروتها الهائلة، فإن منفذها البري الوحيد يمر عبر المملكة العربية السعودية، وهي حدود شهدت قبل سنوات قليلة أزمة سياسية حادة هزّت الخليج وأغلقت المعابر بين الدول.
هذا المثال يكشف حقيقة أساسية:
في منطقة تتشابك فيها المنافسات السياسية والتحالفات المتغيرة، يصبح بناء بنية تحتية مشتركة للطاقة مشروعًا محفوفًا بالمخاطر.
وحتى لو تم تجاوز العقبات السياسية، تبقى المعضلة الأمنية قائمة. فخطوط الأنابيب الممتدة عبر الصحارى والحدود تبقى أهدافًا سهلة في أي صراع إقليمي، إذ يصعب حمايتها بالكامل على امتداد آلاف الكيلومترات.
المفارقة أن العالم يعرف هذه المخاطر منذ عقود.
ومع ذلك، ما زالت غالبية صادرات النفط والغاز من الخليج تمر عبر هذا الممر البحري الضيق.
فإذا تعطّل هذا الطريق – ولو لفترة قصيرة – يمكن أن تقفز أسعار الطاقة بشكل حاد، وتهتز الأسواق المالية، وتدخل الاقتصادات العالمية في موجة تضخم جديدة.
بمعنى آخر، ما يحدث في بضعة كيلومترات من المياه بين إيران وسلطنة عُمان قد يكون كافيًا لإرباك الاقتصاد العالمي بأكمله.
اليوم يبدو أن العالم يقترب من لحظة الحقيقة التي طالما حاول تجاهلها.
فالسؤال لم يعد فقط:
هل يمكن أن يُغلق مضيق هرمز؟
بل السؤال الأكثر خطورة الآن:
هل الاقتصاد العالمي مستعد فعلًا لليوم الذي قد يتوقف فيه هذا الشريان الحيوي عن النبض؟