"لا مفاوضات فوق رؤوسنا: الخليج بقيادة السعودية يفرض حضوره على طاولة تقرير مصير المنطقة"
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في زمنٍ تُختبر فيه خرائط القوة أكثر مما تُرسم، تبدو “الهدنة” المعلنة بين واشنطن وطهران وكأنها استراحة محارب، لكنها في حقيقتها ليست سوى إعادة تموضع على رقعة صراع لم تُحسم قواعده بعد. فالتاريخ القريب والبعيد يعلّمنا أن ما يُعلن تهدئةً في العلن، قد يكون في العمق تصعيداً مؤجلاً بشروط أكثر قسوة.
الحديث عن نهاية الحرب في هذه اللحظة ليس تحليلاً بقدر ما هو رغبة نفسية جماعية للهروب من تعقيد المشهد. إذ كيف يمكن لصراعٍ متعدد الأبعاد نووي، صاروخي، جيوسياسي، وأيديولوجي أن يُختزل في مهلة خمسة أيام؟ وكيف يمكن لخطاب النصر أن يُرفع، بينما أدوات القوة ما زالت في حالة اشتباك، وإن بصيغة أقل صخباً؟
ما يجري اليوم ليس سلاماً، بل اختبار إرادات تحت سقف التفاوض. الولايات المتحدة لا تفاوض لتوقّع اتفاقاً فحسب، بل لتعيد تعريف حدود القوة الإيرانية. وإيران، من جهتها، لا تجلس إلى الطاولة بدافع القبول، بل بدافع إدارة الخسائر ومنع الانكسار الكامل. وبين هذا وذاك، تُستخدم الدبلوماسية كامتداد مباشر للقوة، لا بديلاً عنها
لقد أثبتت طهران قدرتها على إرباك المشهد الدولي عبر أدوات ضغط حساسة: من مضيق هرمز إلى الصواريخ بعيدة المدى، ومن تعطيل سلاسل الإمداد إلى توسيع نفوذها عبر الوكلاء. لكن السؤال الحقيقي ليس عمّا تستطيع إيران فعله، بل عمّا سيسمح لها العالم بالاستمرار في فعله. هنا تحديداً تتحدد ملامح المرحلة المقبلة.
في هذه اللحظة الدقيقة من تاريخ المنطقة، ومع ما يُتداول عن مباحثات جارية بين الولايات المتحدة وإيران لوقف العمليات العسكرية، أود أن أؤكد أنه لا يمكن أن تكون دول مجلس التعاون الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، باعتبارها القلب النابض للعالمين العربي والإسلامي، غائبة عن أي طاولة تُرسم عليها ملامح المستقبل الإقليمي.
أمن هذه المنطقة ليس شأنًا ثانويًا، ولا ملفًا يُناقش بالنيابة عنا، بل هو جوهر استقرارنا ووجودنا. وأي مقاربة تتجاوز هذه الحقيقة، إنما تؤسس لهشاشة مؤجلة، لا لاستقرار دائم.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في وقف الحرب، بل في منع إعادة إنتاج أسبابها. وهذا لن يتحقق عبر اتفاقات جزئية أو حلول مؤقتة، بل عبر إعادة صياغة شاملة لقواعد الاشتباك في المنطقة: من البرنامج النووي، إلى الصواريخ الباليستية، إلى شبكات النفوذ العابر للحدود.
الرهان ليس على نجاح المفاوضات أو فشلها بحد ذاته، بل على مضمون ما ستنتهي إليه. فالاتفاق الذي لا يغيّر السلوك، ليس اتفاقاً، بل هدنة مؤجلة. والسلام الذي لا يضمن توازن الردع، ليس سلاماً، بل استراحة بين حربين.
ما بعد هذه اللحظة لن يشبه ما قبلها. ودول المنطقة، إن لم تكن شريكاً في صناعة القرار، فستكون موضوعاً لنتائجه. وبين أن تُكتب القواعد أو تُفرض، يكمن الفارق بين الفاعلية والتبعية.
لهذا، فإن اللحظة الراهنة ليست لحظة انتظار، بل لحظة إعادة تعريف للدور، ولإعادة تموضع استراتيجي يليق بثقل المنطقة ومصالحها. فالتاريخ لا يرحم الفراغ، ومن لا يجلس إلى الطاولة، سيجد نفسه يوماً على قائمة القرارات.
وفي عالم لا يُدار بالنوايا بل بالمصالح، تبقى الحقيقة الأوضح:
إما أن تكون جزءاً من صياغة المستقبل… أو مجرد ساحة تُطبّق عليها نتائجه.