الشرق الأوسط: المختبر العالمي لصراع الإرادات والقوة والنفوذ”

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

الشرق الأوسط: المختبر العالمي لصراع الإرادات والقوة والنفوذ”

في الشرق الأوسط اليوم، ليست الصواريخ وحدها من تحرك الأحداث، بل مزيج من القوة العسكرية، النفوذ السياسي، والتحكم في الطاقة، حيث تخوض إيران وأمريكا صراعًا مفتوحًا يهدد إعادة رسم موازين القوى في المنطقة والعالم. بعد ثلاثة أسابيع من إطلاق الصواريخ الإيرانية المستمر، لم يعد بإمكان أي قوة تجاهل رسالة طهران الصريحة: لن نتراجع، ومن يحاول فرض إرادتنا سيكلفه الثمن باهظًا. صواريخ "خرمشهر" وغيرها التي تطلق من أعماق الأراضي الإيرانية باتت ليست مجرد أسلحة، بل أدوات ضغط نفسي واستراتيجي، مصممة لاستهداف نقاط ضعف خصومها، من إسرائيل إلى دول الخليج، وزيادة التكلفة الاقتصادية والنفسية للنزاع على الغرب والعالم.

لكن إيران لا تكتفي بالصراع العسكري؛ فهي تراهن على سيطرتها على أسواق الطاقة في الشرق الأوسط، معتبرة أن استمرار الحرب سيمنحها نفوذًا استراتيجيًا طويل الأمد، يضمن لها القدرة على فرض قواعد اللعبة لعقود قادمة. هذه المراهنة محفوفة بالمخاطر، فهي قد تكون قراءة مبالغ فيها لإصرار ترامب أو لقدرة إسرائيل على توجيه ضربات استراتيجية دقيقة تهز صمود الجمهورية الإسلامية.

وفي مواجهة هذه الرهانات، ترد الولايات المتحدة بقوة غير مسبوقة، حيث تخطط إدارة ترامب لنشر 10,000 جندي إضافي في المنطقة، مع تعزيزات بحرية تشمل USS Tripoli ووحدة مشاة بحرية كاملة وطائرات F-35. هذه التحركات ليست مجرد تحركات تكتيكية، بل رسالة استراتيجية مزدوجة: للأعداء تقول “نحن مستعدون لكل السيناريوهات”، وللحلفاء تقول “واشنطن ستفرض الأمن وتردع أي محاولة لتوسيع النفوذ الإيراني”.

ما يحدث ليس مجرد نزاع عسكري محدود، بل زلزال استراتيجي يعيد صياغة قواعد اللعبة الإقليمية والدولية. إيران تراهن على طول النفس، على الضغط النفسي والاقتصادي، وعلى استمرار النزاع لتأمين نفوذ طويل الأمد، بينما الولايات المتحدة تمارس ردعًا شاملًا وقوة تكتيكية واستراتيجية متزامنة. وكل صاروخ إيراني وكل تعزيز أمريكي يرسل إشارات للعالم بأن المنطقة أمام خيارات محدودة: تصعيد محدود قد يتحول إلى مواجهة واسعة، أو تسوية ستفرضها الأحداث وتعيد توزيع النفوذ لصالح من يسيطر على أدوات القوة والنفوذ.

الشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة نزاع إقليمي؛ إنه مختبر عالمي لاختبار الإرادات والقوة والنفوذ. إيران تقول للعالم “لن نستسلم”، وأمريكا تقول “لن نسمح بفرض هيمنة”، تاركين العالم أمام سؤال استراتيجي صادم: هل سيولد هذا الصراع توازنًا جديدًا طويل الأمد، أم أن الأخطاء والمراهنات ستقود إلى زلزال إقليمي وعالمي لا يمكن السيطرة عليه؟