إيران تصنع الفوضى.. والخليج يستيقظ على حقيقة واحدة: الأمن الذاتي ضرورة عاجلة"

بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري

إيران تصنع الفوضى.. والخليج يستيقظ على حقيقة واحدة: الأمن الذاتي ضرورة عاجلة"

في قلب العالم العربي، وبين بحر من النفط والثروات الهائلة، تكشّفت هشاشة منظومة الأمن الخليجي على نحو لم يكن متوقعًا. الحرب الأخيرة في المنطقة لم تكن مجرد صراع عابر؛ بل كانت إنذارًا صارخًا لكل دولة خليجية، بأن الاعتماد على الحلفاء الكبار لن يكون كافيًا بعد الآن.

على مدى عقود، كانت دول الخليج تعتمد على الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، مستندة إلى قواعد عسكرية ومعاهدات دفاعية، كحصن يحمي البنية التحتية ومراكز القرار الحيوية. لكن الواقع الجديد يقول شيئًا آخر: الهجمات الإيرانية، الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، وارتفاع مستوى المخاطر الإقليمية، كلها كشفت فجوة استراتيجية خطيرة بين النظرية الدفاعية والقدرة الفعلية على الردع.

ما جرى في الحرب الأخيرة يظهر أن القواعد الأمريكية والمعاهدات الدولية لم تمنع التصعيد ولم توفر الردع الشامل. بل أكثر من ذلك، بعض التحليلات تشير إلى أن التدخلات الأمريكية والإسرائيلية، أحيانًا، جاءت بما يخدم أجندة حلفاء خارجيين أكثر من حماية المصالح الخليجية. وهذا يضع دول المنطقة في مأزق استراتيجي مزدوج: الاعتماد على الحلفاء من جهة، والخطر المباشر من إيران من جهة أخرى.

حتى الآن، نجحت الدفاعات الجوية الخليجية في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة بنسبة تجاوزت 90٪، لكنها لم تمنع الخسائر الاقتصادية والبنية التحتية الحيوية من التعرض للتهديد، كما أظهرت الغارات الإيرانية الأخيرة التي بلغت أضرارها مئات الملايين من الدولارات.

الخلاصة واضحة: دول الخليج بحاجة ماسة لاستراتيجية أمنية ذاتية. وهذا يتطلب ثلاث ركائز أساسية:

تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية: تطوير صناعات محلية للأسلحة، منظومات اعتراض متقدمة، الدفاع الإلكتروني، وأنظمة رصد ومراقبة متكاملة تعتمد على الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة المحلية.

التكامل الإقليمي الموحد: إنشاء آليات دفاعية مشتركة بين دول مجلس التعاون الخليجي، بما يضمن ردًا موحدًا وفعالًا على أي تهديد، وتجاوز التباينات الفردية في مواقف الدول.

تنويع الشراكات الدولية بشكل استراتيجي: لا يمكن الاستغناء عن الولايات المتحدة، لكن يجب تنويع مصادر التسليح والخبرة العسكرية مع أوروبا، آسيا، وأي شريك قادر على تقديم التكنولوجيا والخبرة الدفاعية، بعيدًا عن تبعية مطلقة لأي قوة واحدة.

اليوم، يواجه الخليج اختبارًا وجوديًا: هل سيظل يعتمد على قوة خارجية توفر حماية ناقصة، أم سيخطو نحو بناء قوة ذاتية متكاملة، قادرة على مواجهة كل السيناريوهات؟ الواقع أن العالم تغيّر، والتوازنات الإقليمية تتحرك بسرعة، وأي تأخر في إعادة بناء الأمن الذاتي قد يكلف دول الخليج الثروة والنفوذ والاستقرار السياسي.

في المستقبل القريب، لن يكون السؤال عن قوة الحلفاء فقط، بل عن قدرة الخليج على تشكيل منظومة دفاعية متقدمة، متكاملة، وذاتية، تجمع بين التكنولوجيا، الخبرة، والتنسيق الإقليمي. الخليج أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف مكانته الاستراتيجية، لكن الفرصة لن تبقى للأبد.

إذا أراد الخليج أن يظل مركز ثقل عالميًا، فعليه أن يتحوّل من متلقي للحماية إلى صانع للأمن والردع الاستراتيجي. الأمن الذاتي لم يعد خيارًا، بل ضرورة تحمي الثروة، الاستقرار، والمستقبل.