كفى… ارفعوا أيديكم عن لبنان، فالتاريخ لا يرحم من حوّل الشعوب إلى وقود لصراعات “تصدير الثورة منذ 1979”
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
لبنان لم يعد يعيش أزمة سياسية عادية، بل أزمة موقع ودور في نظام إقليمي يعاد تشكيله بالقوة، لا بالتوافق. الدولة اللبنانية اليوم تقف في منطقة رمادية: ليست صاحبة قرار حرب وسلام كامل، ولا قادرة على الانسحاب من توازنات إقليمية تفوق حجمها وقدرتها.
في هذا السياق، جاء خطاب نعيم قاسم الأخير ليعيد تثبيت معادلة استراتيجية واضحة: رفض أي مسار تفاوضي مع إسرائيل، وتأكيد أن خيار المواجهة مفتوح وغير خاضع لمنطق التسوية السياسية التقليدية.
لكن السؤال الذي يتجاوز الخطاب نفسه هو أكثر عمقًا:
هل ما زال لبنان يملك القدرة على تعريف مصالحه كدولة مستقلة، أم أنه أصبح جزءًا من هندسة إقليمية أوسع تُدار خارج مؤسساته الرسمية؟
المشكلة البنيوية في لبنان لم تعد مرتبطة بالأزمات الاقتصادية أو السياسية وحدها، بل بوجود أكثر من مركز قرار فعلي في ملفات السيادة العليا.
هذا الواقع خلق حالة نادرة في النظام الدولي الحديث: دولة تعيش داخلها منظومتان متوازيتان واحدة مؤسساتية رسمية، وأخرى تمتلك قدرة التأثير المباشر على قرارات الحرب والسلم.
في مثل هذا النموذج، لا يعود مفهوم السيادة واضحًا، بل يصبح قابلًا للتجزئة والتأويل، ما يضع الدولة في موقع هش أمام الداخل والخارج في آن واحد.
من 1979 إلى اليوم: إعادة تشكيل الإقليم عبر الساحات المفتوحة
الإشارة إلى مرحلة الثورة الإيرانية 1979 ليست مجرد استدعاء تاريخي، بل مفتاح لفهم التحول في بنية الصراع الإقليمي.
من العراق إلى لبنان، برز نمط سياسي–أمني يقوم على تمدد النفوذ خارج حدود الدولة عبر ساحات متعددة، ما جعل عددًا من الدول تتحول إلى نقاط تماس بدل أن تبقى وحدات سيادية مستقلة.
هذا التحول أعاد تعريف مفهوم الدولة في المنطقة: من كيان صاحب قرار إلى مساحة تتقاطع فيها مشاريع إقليمية متنافسة.
طرابلس: مؤشر اجتماعي على أزمة سياسية أعمق
الأحداث التي شهدتها طرابلس، بما فيها استهداف رموز سياسية وإقليمية، لا يمكن قراءتها كحادثة منفصلة أو انفعال لحظي.
الأحداث التي شهدتها طرابلس، بما فيها استهداف رموز سياسية وإقليمية، لا يمكن قراءتها كحادثة منفصلة أو انفعال لحظي.
بل هي تعبير عن فجوة متزايدة بين جزء من المجتمع اللبناني وبين مسار سياسي يعتبره مفروضًا عليه أكثر مما هو ناتج عن توافق داخلي.
في علم السياسة، هذه اللحظات لا تُقرأ كرموز غضب فقط، بل كمؤشرات على إعادة تشكل المزاج العام في الدول الهشة.
في أي دولة مستقرة، قرار الحرب والسلم هو ذروة السيادة الوطنية.
لكن في الحالة اللبنانية، هذه القاعدة تصبح موضع سؤال دائم.
الخطاب السياسي الذي يربط لبنان تلقائيًا بجبهات إقليمية مفتوحة يخلق معادلة خطيرة:
القرار يُتخذ في سياق أوسع، بينما الكلفة تُدفع داخل حدود الدولة فقط.
وهنا يظهر الخلل البنيوي العميق: انفصال القرار عن المسؤولية
بعيدًا عن الجغرافيا العسكرية، هناك جغرافيا أخرى أكثر قسوة: الاقتصاد.
الانهيار المالي، تراجع الثقة، وتآكل المؤسسات ليست نتائج عرضية، بل انعكاس مباشر لحالة عدم الاستقرار المزمن.
الدول لا تنهار فقط بالحروب، بل أيضًا عندما تصبح احتمالات الحرب جزءًا دائمًا من بنيتها السياسية.
لبنان اليوم أمام خيارين بنيويين لا ثالث لهما:
إما استعادة نموذج الدولة ذات القرار السيادي الواحد،
أو الاستمرار في نموذج “الساحة المفتوحة” حيث تتقاطع المشاريع الإقليمية فوق أرضه.
في الحالة الأولى، يمكن للدولة أن تعيد بناء علاقتها مع محيطها والعالم.
وفي الحالة الثانية، يستمر الاستنزاف الهادئ حتى يتحول إلى واقع دائم.
التاريخ لا يحاكم الشعارات، بل يحاكم النتائج.
وسؤال لبنان اليوم لم يعد سياسيًا فقط، بل وجوديًا:
هل ما زال دولة… أم أنه تحوّل إلى ساحة دائمة في نظام إقليمي مفتوح؟