حين يختلف الأشقاء العرب… ينتصر الخصوم: لماذا أصبح الانقسام الداخلي التهديد الأخطر للأمن العربي؟

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

حين يختلف الأشقاء العرب… ينتصر الخصوم:  لماذا أصبح الانقسام الداخلي التهديد الأخطر للأمن العربي؟

ليست أخطر التهديدات التي تواجه العالم العربي اليوم تلك القادمة من الخارج، بل تلك التي تنشأ في الداخل، حين يتحول الخلاف بين الأشقاء العرب من اختلاف في الرؤى إلى شرخ في المواقف، ومن تباين في المصالح إلى صراع مفتوح في الخطاب والسياسة.

فالتاريخ القريب والبعيد يثبت حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: الأمم لا تُهزم عندما تختلف، بل عندما تعجز عن إدارة اختلافها.

الخلاف بين الدول أمر طبيعي في العلاقات الدولية، بل هو جزء من حيوية السياسة. لكن الخطورة تبدأ حين يُنزَع الخلاف من إطاره الطبيعي، ويُعاد تقديمه بوصفه صراعًا صفريًا، لا يقبل التفاهم ولا التسوية

في الحالة العربية، يصبح هذا النوع من الخلاف ترفًا لا تملكه الأمة، لأن كلفته لا تُدفع سياسيًا فقط، بل أمنيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا، وغالبًا ما تُدفع على حساب شعوبٍ أنهكتها الحروب والانقسامات.

ليس سؤالًا إنشائيًا، بل سؤال استراتيجي بامتياز.

كل تجربة عربية أثبتت أن:

الخصوم يراقبون الخلافات العربية أكثر مما يراقبون قوتها

الانقسام العربي يفتح مساحات نفوذ لا تُفتح بالقوة

الصراع الداخلي يمنح الآخرين وقتًا ومساحة ومبررًا للتدخل

وحين ينشغل الأشقاء بخلافاتهم، يتحول العدو الخارجي من خصم مباشر إلى مستثمر ذكي في الانقسام.

الإعلام ليس مرآة صامتة.

هو أداة تشكيل وعي، وأحيانًا أداة ضغط، وأحيانًا – من دون قصد – أداة هدم.

حين يختار الإعلام العربي لغة الاستقطاب بدل التهدئة، والعناوين الصدامية بدل القراءة العميقة، فإنه لا ينقل الخلاف فقط، بل يوسّعه ويعيد إنتاجه في وعي الشارع.

الإعلام المسؤول لا يسأل: من انتصر في الخلاف؟

بل يسأل: كيف نمنع الخلاف من التحول إلى خسارة جماعية؟

العالم لا يحترم الضعفاء، لكنه لا يحترم المنقسمين أكثر.

والدول الكبرى لا تبني استراتيجياتها على قوة خصومها، بل على خلافاتهم.

كل مرة انقسم فيها العرب:

تراجع وزنهم التفاوضي

تقلص تأثيرهم الدولي

وتحولت قضاياهم من أولوية إلى ملف ثانوي

ومع ذلك، يتكرر الخطأ نفسه، وكأن التجربة لا تُعلّم.

هذه العبارة ليست عاطفية، بل قاعدة بقاء.

ممنوع الخلاف:

لأن الأمن مترابط

لأن الاقتصاد متداخل

لأن الجغرافيا لا ترحم

ولأن العدو لا يميّز بين دولة وأخرى حين تحين لحظة الاستهداف

إدارة الخلاف ممكنة، بل ضرورية.

أما تحويله إلى صراع، فهو انتحار سياسي بطيء.

الوحدة العربية ليست حلمًا رومانسيًا، ولا خطابًا خشبيًا، بل مصلحة استراتيجية صلبة.

قد تختلف الدول، وقد تتباين السياسات، لكن كسر الجسور بين الأشقاء خطأ لا يُغتفر، لأن كلفة إصلاحه دائمًا أعلى من كلفة منعه.

في عالم لا يحترم إلا الأقوياء،

القوة تبدأ من وحدة الصف…

وأول شروطها: ممنوع الخلاف بين الأشقاء العرب.