جوزيف عون يكسر المحرّم: نهاية لبنان الذي نعرفه؟”
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في الشرق الأوسط، لا يُصنع التاريخ بالخطب، بل بالقرارات التي يهرب منها الآخرون.
وفي لحظة إقليمية مشتعلة، قرر رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون أن يفعل ما لم يجرؤ عليه أحد منذ عقود: أن يضع مسألة السيادة اللبنانية على الطاولة… بلا مواربة.
ما جرى في واشنطن لم يكن تفصيلاً دبلوماسياً، بل لحظة فاصلة بين مرحلتين:
لبنان الذي كان يُدار بمنطق التسويات الهشة، ولبنان الذي يحاول ولو متأخراً. أن يعود دولة كاملة الصلاحيات.
على مدى سنوات، عاش لبنان في وهم مريح:
إمكانية الجمع بين الدولة… وقوة مسلّحة خارجها.
لكن هذا “التوازن” لم ينتج استقراراً، بل:
حروباً متكررة
عزلة دولية
وانهياراً اقتصادياً غير مسبوق
اليوم، وللمرة الأولى بهذا الوضوح، يتم كسر هذا الوهم.
فإما دولة تحتكر قرارها… أو ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.
لا يمكن قراءة ما يحدث دون فهم البعد الإقليمي.
لبنان لم يكن يوماً معزولاً عن صراع المحاور، لكن الجديد اليوم هو محاولة فك الارتباط السياسي مع هذا المسار.
وهنا تكمن حساسية اللحظة:
لأن أي خطوة باتجاه حصر السلاح بيد الدولة تعني عملياً تقليص نفوذ إيران في لبنان، وهو نفوذ لم يكن يوماً تفصيلاً، بل جزءاً من معادلة إقليمية كاملة.
ردود الفعل الغاضبة ليست مفاجئة بل متوقعة.
لأن ما يجري ليس نقاشاً داخلياً عادياً، بل إعادة رسم لموقع لبنان على الخريطة السياسية للمنطقة.
لا أحد يمكنه الادعاء أن الطريق سهل.
هذا المسار محفوف بالمخاطر:
لكن البديل واضح أيضاً:
الاستمرار في نفس الدائرة المغلقة التي أوصلت لبنان إلى حافة الانهيار الكامل.
في هذا السياق، لا تبدو خطوة جوزيف عون مجرد خيار، بل محاولة لكسر حلقة مفرغة استمرت طويلاً.
السؤال لم يعد إن كان القرار صائباً أو خاطئاً،
بل إن كان لبنان كدولة ومجتمع قادرًا على تحمّل نتائجه.
هل يستطيع أن يتحول من ساحة صراع إلى دولة ذات قرار؟
هل يمكن إعادة بناء مفهوم السيادة بعد سنوات من التآكل؟
هذه ليست أسئلة نظرية، بل جوهر المرحلة القادمة.
في عالم السياسة، هناك نوعان من القادة:
من يديرون الواقع كما هو… ومن يقررون تغييره.
جوزيف عون، على ما يبدو، اختار الطريق الأصعب.
قد ينجح، وقد يفشل.
لكن المؤكد أن لبنان دخل مرحلة جديدة. مرحلة لم يعد فيها ممكناً تأجيل الأسئلة الكبرى.
وفي لحظات كهذه،
لا يُقاس القادة بما يضمنون،
بل بما يجرؤون على البدء به.