نهاية وهم الحسم في الشرق الأوسط
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
على امتداد عقود، اعتقد العالم أن الشرق الأوسط يُحكم بالصواريخ أكثر مما يُحكم بالاقتصاد، وبالقوة العسكرية أكثر مما يُحكم بالمصالح. كانت الحروب هي اللغة المشتركة، وكانت الأزمات هي القاعدة، وكانت التسويات مجرد فترات استراحة بين جولة وأخرى من الصراع.
لكن ما يحدث اليوم بين الولايات المتحدة وإيران قد يكشف أن هذه الحقبة تقترب من نهايتها.
الخطأ الأكبر الذي يرتكبه كثيرون هو الاعتقاد أن الاتفاق المرتقب يتعلق بإيران. الحقيقة أن إيران ليست سوى العنوان الظاهر. أما القصة الحقيقية فتدور حول تحول أعمق بكثير: تحول في طريقة إدارة القوة نفسها.
فطوال سنوات، استُخدمت العقوبات والضغوط والتهديدات والعمليات العسكرية لإجبار الخصوم على التراجع. ومع ذلك، لم تنجح القوة وحدها في إنتاج واقع مستقر. وفي المقابل، لم ينجح الصمود وحده في بناء ازدهار اقتصادي أو توفير مستقبل أكثر أمناً.
وهنا بدأت معادلة جديدة بالتشكل.
لم تعد المشكلة الرئيسية لدى القوى الكبرى هي كيفية كسب الحروب، بل كيفية حماية الاقتصاد العالمي من آثارها. ولم تعد الأولوية لدى دول المنطقة هي كيفية هزيمة الخصوم، بل كيفية حماية الاستثمارات والممرات التجارية ومشاريع التنمية العملاقة من تقلبات الصراع.
من هذه الزاوية، لا يبدو الاتفاق الأميركي الإيراني نهاية أزمة بقدر ما يبدو إعلاناً عن نهاية عصر.
عصر كانت فيه الجغرافيا العسكرية هي التي ترسم السياسة.
وعصر بدأت تحل مكانه جغرافيا جديدة: جغرافيا الطاقة والتجارة والاستثمار.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا تفاوضت واشنطن وطهران.
السؤال الحقيقي هو: لماذا أصبحت الحرب أقل فائدة من التسوية؟
الإجابة تكمن في أن العالم نفسه تغيّر.
ففي الماضي، كانت القوى الكبرى تستطيع تحمل أزمات طويلة الأمد في الشرق الأوسط. أما اليوم، فإن أي اضطراب كبير في الطاقة أو التجارة أو سلاسل الإمداد ينعكس فوراً على الاقتصاد العالمي كله. وأصبحت تكلفة الفوضى أعلى من تكلفة التنازل.
وهنا تكمن المفارقة التي قد يكتبها المؤرخون مستقبلاً: لم تنتهِ المواجهة لأن أحد الأطراف انتصر، ولم تنتهِ لأن أحد الأطراف انهزم، بل انتهت لأن العالم الذي سمح باستمرارها لم يعد موجوداً بالشكل نفسه.
لهذا فإن الاتفاق، إذا تم، لن يكون مجرد تفاهم بين خصمين. سيكون دليلاً على أن قواعد اللعبة تغيرت.
فالقوة ما زالت مهمة، لكنها لم تعد كافية.
والصمود ما زال مهماً، لكنه لم يعد كافياً.
والحروب ما زالت ممكنة، لكنها لم تعد قادرة وحدها على إنتاج المستقبل.
وربما تكون هذه هي الحقيقة الأكثر أهمية في كل ما يجري اليوم: أن الشرق الأوسط لا يشهد نهاية أزمة فقط، بل يشهد بداية انتقال تاريخي من منطق الصراع الدائم إلى منطق المصالح المتبادلة.
وقد يكون هذا التحول، لا الاتفاق نفسه، هو الحدث الحقيقي الذي سيبقى في ذاكرة التاريخ.