عذراً الإمارات… وعذراً دول الخليج: لبنان خُطف من العرب ولم نملك شجاعة الاعتراف
بقلم الباحث والكاتب سياسي عبد الحميد عجم
لم يعد ما يجري مجرد خلاف سياسي عابر بين لبنان ودول الخليج العربي، ولا يمكن اختصار المشهد بقرار مالي أو بإجراءات عقوبات مرتبطة بأفراد وكيانات. ما حدث أخيراً مع إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة إدراج شخصيات ومؤسسات مرتبطة بحزب الله على قوائم الإرهاب، هو إعلان سياسي كبير بأن الخليج العربي وصل إلى لحظة فقدان الثقة بلبنان الذي عرفه لعقود طويلة.
الحقيقة التي يرفض كثيرون مواجهتها داخل لبنان، أن العرب لم يتركوا لبنان فجأة، ولم ينقلبوا على الشعب اللبناني، بل إن لبنان الرسمي هو الذي ابتعد تدريجياً عن محيطه العربي حين سمح لمشروع إقليمي عابر للحدود أن يتحول إلى صاحب القرار الفعلي في الدولة اللبنانية
وعذراً للإمارات، وعذراً لـ المملكة العربية السعودية، وعذراً لكل دول الخليج، لأن اللبنانيين الذين أحبوا العرب واعتبروا الخليج عمقهم الطبيعي، لم يعودوا قادرين حتى على تفسير ما حصل لوطنهم. لقد خُطف لبنان من داخله، وتمت مصادرة قراره السياسي والأمني والاقتصادي على مرأى من الجميع، فيما بقيت الدولة عاجزة أو صامتة أو متواطئة.
سنوات طويلة حاولت خلالها دول الخليج الفصل بين لبنان الدولة ولبنان الواقع تحت هيمنة حزب الله. احتضنت اللبنانيين، واستثمرت في الاقتصاد اللبناني، وفتحت أبوابها أمام مئات آلاف العائلات اللبنانية، لكن في المقابل كان هناك مسار آخر ينمو داخل لبنان: اقتصاد موازٍ، شبكات مالية مغلقة، مؤسسات تعمل خارج منطق الدولة، وسلاح يفرض معادلاته على الداخل والخارج.
لهذا، فإن القرار الإماراتي الأخير يحمل ما هو أخطر من العقوبات بحد ذاتها. الرسالة الحقيقية ليست موجهة إلى أفراد فقط، بل إلى البيئة الاقتصادية والمالية التي سمحت لحزب الله بأن يتحول إلى دولة فوق الدولة. حين تصل العقوبات إلى مؤسسات مالية وشركات تدقيق ومحاسبة، فهذا يعني أن المواجهة دخلت مرحلة جديدة عنوانها تجفيف البنية التي يعيش عليها الحزب، لا فقط محاصرة خطابه السياسي أو جناحه العسكري.
الخليج اليوم لا يخوض مواجهة إعلامية مع حزب الله، بل مع فكرة تحويل العواصم العربية إلى منصات نفوذ إيراني مفتوحة. وهذه النقطة تحديداً هي التي تفسر التحول الكبير في المزاج الخليجي تجاه لبنان. لم تعد المشكلة في خطاب سياسي أو في تصريح إعلامي، بل في وجود منظومة كاملة تُدار خارج سلطة الدولة اللبنانية، وتستفيد في الوقت نفسه من الاقتصاد العربي والانفتاح الخليجي.
المؤلم أن لبنان يقف اليوم على حافة أخطر عزلة عربية في تاريخه الحديث، فيما لا تزال الطبقة السياسية تتصرف وكأن شيئاً لم يتغير. لا توجد أي مراجعة حقيقية، ولا أي إدراك بأن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى خسارة آخر نافذة عربية قادرة على إبقاء لبنان داخل توازنه التاريخي والطبيعي.
لقد تغيرت المنطقة بالكامل. الخليج تغيّر، والعالم تغيّر، والصبر العربي على ازدواجية الدولة والسلاح انتهى. لم يعد ممكناً الجمع بين اقتصاد مرتبط بالخليج وبين مشروع سياسي وأمني مرتبط بإيران. هذه المعادلة سقطت، وما يحصل اليوم ليس سوى بداية مرحلة جديدة ستقوم على الفرز الكامل بين مشروع الدولة ومشروع الميليشيا.
القرار الإماراتي ليس موجهاً ضد الشعب اللبناني، بل ضد تحويل لبنان إلى منصة تهدد الأمن العربي من الداخل. لكن الكارثة أن اللبنانيين هم الذين سيدفعون الثمن الأكبر إذا استمرت السلطة في تجاهل حقيقة أن البلاد تسير نحو عزلة سياسية واقتصادية خطيرة.
وعذراً للإمارات… لأن لبنان الذي أحبّه العرب، ودافعوا عنه، واستثمروا فيه، لم يعد يشبه نفسه. لقد خُطف لبنان من العرب، ومن شعبه أيضاً، ولم نملك نحن اللبنانيين شجاعة الاعتراف بالحقيقة إلا بعد أن بدأ الانهيار يطرق أبواب الجميع بلا استثناء.