هل يحتاج لبنان إلى “مجلس سلام”؟ حين يصبح الجنوب ساحة اختبار لإرادة الدولة والقرار الدولي

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

هل يحتاج لبنان إلى “مجلس سلام”؟ حين يصبح الجنوب ساحة اختبار لإرادة الدولة والقرار الدولي

لم يعد السؤال في لبنان اليوم: هل هناك حرب أم لا؟

بل السؤال الأخطر: من يدير السلام والحرب عن اللبنانيين؟

ففي وقت يُطرح فيه “مجلس السلام” لغزة كمنصة دولية جديدة لإدارة النزاعات، يفرض الواقع نفسه:

هل يمكن أو هل يُراد إنشاء نموذج مشابه في لبنان، يشرف على انسحاب إسرائيل من النقاط المحتلة، ويضبط العمليات العسكرية في الجنوب والبقاع، ويعيد طرح ملف سلاح حزب الله على طاولة دولية مغلقة؟

هذا السؤال لم يعد نظرياً. بل بات جزءاً من مداولات غير معلنة في عواصم القرار.

تاريخ لبنان الحديث يثبت أن كل مرة عجزت فيها الدولة عن احتكار قرار الحرب والسلم، تحوّل البلد إلى:

ساحة رسائل إقليمية

وملف تفاوض دولي

ومسرح تسويات لا يشارك اللبنانيون في صياغتها

اليوم، ومع استمرار الاحتلال الإسرائيلي لنقاط لبنانية، وتصاعد العمليات في الجنوب والبقاع، وعودة الحديث الدولي عن “ضبط النزاعات الإقليمية”، يصبح لبنان مرشحاً موضوعياً لدخول نادي “السلام المُدار من الخارج”.

لكن أي سلام؟ وبأي ثمن؟

من غزة إلى لبنان: هل يتكرر النموذج؟

مجلس السلام” في غزة لم يولد من فراغ. بل من:

عجز الأمم المتحدة

وانسداد مجلس الأمن

ورغبة القوى الكبرى بإدارة النزاعات مباشرة خارج القانون الدولي

وإذا نجح هذا النموذج في غزة، فلبنان سيكون المرشح التالي للأسباب التالية

وجود نزاع حدودي مفتوح مع إسرائيل

وجود سلاح خارج إطار الدولة

هشاشة الدولة والمؤسسات

قابلية الساحة اللبنانية للتحول إلى ساحة ضبط إقليمي

أي أن لبنان، من وجهة نظر دولية، حالة نموذجية لإدارة نزاع لا لحله جذرياً.

إسرائيل والانسحاب… أم تثبيت الوقائع؟

السؤال الجوهري ليس: هل تنسحب إسرائيل؟

بل: كيف ولمصلحة من يكون هذا الانسحاب؟

فالتجارب السابقة تقول:

الانسحاب قد يكون مشروطاً

ومقابل ترتيبات أمنية قاسية

وربما مقابل إعادة رسم قواعد الاشتباك

أو مقابل إدخال ملف سلاح حزب الله في صفقة دولية شاملة

أي أننا قد نكون أمام:

انسحاب مقابل تدويل القرار اللبناني.

سلاح حزب الله: من شأن داخلي إلى بند دولي؟

هنا بيت القصيد.

أي مجلس سلام في لبنان لن يكون هدفه فقط:

وقف النار

أو تثبيت الهدوء

بل سيكون هدفه المركزي:

إدخال سلاح حزب الله في إطار تفاوض دولي لا لبناني.

وهذا يحمل ثلاث مخاطر كبرى:

نزع القرار من المؤسسات اللبنانية

تحويل السلاح من ملف وطني

 إلى ورقة مقايضة دولية

تعريض لبنان لضغوط

 اقتصادية وأمنية غير مسبوقة

 لقبول تسويات قسرية

أي أن لبنان قد ينتقل من دولة تفاوض إلى دولة يُتفاوض عليها.

أي أن لبنان قد ينتقل من دولة تفاوض إلى دولة يُتفاوض عليها.

الأخطر في كل هذا أن الدولة اللبنانية:

ولا تملك تصوراً متكاملاً

ولا مشروع سلام وطنياً واضحاً

وهنا المفارقة القاتلة: كلما غابت الدولة، تقدّم الخارج ليملأ الفراغ.

وكلما ضعف القرار الوطني، قويت مشاريع “السلام المفروض”.

أي سلام نريد؟

لبنان لا يحتاج إلى:

مجلس سلام دولي يدير أزمته

بل يحتاج إلى

دولة قوية تحتكر السلاح

قرار سيادي موحّد

وموقف عربي داعم لا متفرج

فالسلام الذي لا تصنعُه الدول لنفسها،

يُصنع لها… على حسابها

سلام يُدار أم سيادة تُستعاد؟

السؤال الحقيقي ليس: هل يمكن إنشاء مجلس سلام في لبنان؟

هل نريد أن يصبح لبنان ملفاً دولياً جديداً بعد أن كان دولة؟

إذا دخل لبنان مسار “السلام المُدار من الخارج”،

فسيخرج منه أقل سيادة،

وأكثر هشاشة،

وأضعف قراراً.

فالسلام بلا دولة قوية…

ليس سلاماً.

بل هدنة فوق بركان.