أقصى ما يُطرح هو العودة إلى ما قبل 75 سنة… وليس بناء مستقبل
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
لبنان لا يفاوض اليوم… بل يُفاوض تحت النار.
في لحظة يُفترض أن تُفتح فيها أبواب الحلول، تتقدّم الوقائع الميدانية على أي مسار سياسي، وتتحوّل الهدنة إلى غطاء لإعادة رسم الحدود بالقوة. ما يجري في الجنوب لم يعد تفصيلاً عسكريًا، بل فرضٌ لشروط التفاوض مسبقًا، حيث تُكتب النتائج على الأرض قبل أن تُناقَش على الطاولة.
إسرائيل لا تنتظر المفاوضات، بل تصنعها. جرف قرى، منع عودة السكان، وتكريس ما يُسمّى “الخط الأمامي”… كلها خطوات تُعيد تعريف الجغرافيا السياسية للبنان. الرسالة واضحة: إما القبول بشروط الواقع… أو استمرار التصعيد. وهنا، لا يعود التفاوض مسارًا متكافئًا، بل يتحوّل إلى عملية تُدار تحت ضغط مباشر.
في الداخل، لا يقل المشهد تعقيدًا. فلبنان لا يواجه فقط ضغطًا خارجيًا، بل يعيش انقسامًا حادًا حول معنى الحل نفسه. من جهة، يتقدّم مسار الدولة عبر جوزيف عون ونواف سلام، برؤية تقوم على التفاوض المباشر واستعادة القرار السيادي، وطرح واضح بأن الدبلوماسية ليست إدارة للحرب… بل طريق لإنهائها. هذا المسار يحاول، للمرة الأولى منذ سنوات، نقل لبنان من موقع ردّ الفعل إلى موقع الفعل.
في المقابل، يبرز خطّ تقليدي يقوده نبيه بري ووليد جنبلاط، يضع سقفًا منخفضًا للتفاوض، عنوانه تثبيت وقف إطلاق النار والعودة إلى اتفاق الهدنة لعام 1949 كأقصى الممكن. هذا الطرح، وإن بدا واقعيًا، يعكس في جوهره إدارة للخسارة لا صناعة للحل، ومحاولة لتجميد الصراع بدل تغييره.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية:
بينما يُخفّض الداخل سقف التفاوض، يُرفع هذا السقف ميدانيًا بالقوة. الفجوة بين ما يطلبه لبنان سياسيًا وما يُفرض عليه فعليًا تتّسع، ما يضع البلاد أمام معادلة خطيرة: التنازل تحت الضغط أو الانفجار.
بالتوازي، يتآكل الإطار الدولي الضامن. دور قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان لم يعد كما كان، والحديث عن بدائل دولية يفتح الباب أمام مرحلة أمنية جديدة أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد الجنوب محكومًا بقواعد الاشتباك القديمة، بل بواقع متحرّك لا يمكن ضبطه بسهولة.
لبنان اليوم لا يقف فقط أمام مفاوضات، بل أمام اختبار وجودي:
هل يفاوض ليبني مستقبلًا، أم ليحافظ على ما تبقّى منه؟
الحقيقة القاسية أن ما يُطرح حتى الآن لا يرتقي إلى مستوى اللحظة. العودة إلى اتفاق عمره 75 عامًا ليست حلًا، بل هروب إلى الخلف، في وقت يُعاد فيه رسم الحاضر بالقوة.
في الشرق الأوسط، لا يُهزم من يخسر الحرب…
بل من يذهب إلى التفاوض وهو خاسر على الأرض.
وما لا يُفرض على طاولة التفاوض…
يُفرض اليوم على الأرض.