حلّ حزب الله وسجن أمينه العام: استعادة الدولة تبدأ من هنا

بقلم هئية التحرير خاص مراسل نيوز

حلّ حزب الله وسجن أمينه العام: استعادة الدولة تبدأ من هنا

في الدول الطبيعية، لا يكون قرار الحرب والسلم موضع جدل. لا يُتخذ في غرف مغلقة خارج المؤسسات. ولا يُفرض على شعب كامل من دون تفويض دستوري واضح. في الدول الطبيعية، السلاح واحد، والمرجعية واحدة، والمساءلة واحدة.

لبنان ليس كذلك.

على مدى سنوات، تكوّنت في لبنان معادلة شاذة: دولة رسمية من جهة، وتنظيم عسكري ـ سياسي يمتلك قراراً استراتيجياً مستقلاً من جهة أخرى. هذه الازدواجية لم تعد مجرد خلل نظري في بنية النظام، بل تحولت إلى خطر وجودي يهدد بقاء الدولة نفسها.

اليوم، لم يعد النقاش حول إصلاح أو تسوية أو إدارة توازنات. السؤال أصبح أكثر وضوحاً وحدّة: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تستمر بوجود قوة عسكرية منظمة خارج سلطتها؟ وإذا كانت الإجابة لا، فهل تملك الجرأة على اتخاذ القرار الذي تأخر طويلاً؟

لا دولة فوق القانون

أي تنظيم يمتلك سلاحاً خارج إطار الجيش، ويتخذ قرارات استراتيجية ذات طابع عسكري وأمني من دون تفويض دستوري، يكون عملياً قد وضع نفسه في موقع موازٍ للدولة.

في هذه الحالة، تصبح المساءلة القانونية ضرورة لا خياراً.

ليس لأن هناك خصومة سياسية، بل لأن مبدأ سيادة القانون يفرض نفسه.

الأمين العام لأي تنظيم يمارس نشاطاً عسكرياً خارج الشرعية الدستورية، ويتخذ قرارات تمس الأمن القومي من دون تفويض رسمي، يخضع — وفق منطق الدولة — للمساءلة القضائية. هذا ليس موقفاً عاطفياً، بل قاعدة قانونية بديهية في أي نظام جمهوري.

فهل لبنان استثناء من قواعد الدول؟

الاقتصاد اللبناني انهار.

المؤسسات مشلولة.

الثقة الدولية تكاد تكون معدومة.

لا يمكن لأي دولة أن تطلب دعماً دولياً أو استثماراً أو شراكة استراتيجية، فيما قرارها الأمني ليس بيدها بالكامل.

كل حرب تُفرض على لبنان من خارج مجلس الوزراء تعني مزيداً من الدمار، مزيداً من النزوح، ومزيداً من العزلة. وعندما لا تكون هناك مساءلة داخلية، يتحول الأمر إلى قاعدة دائمة لا إلى استثناء.

الدول لا تنهار بسبب عدو خارجي فقط، بل بسبب عجزها عن ضبط قرارها الداخلي.

الدعوة إلى حلّ حزب الله لا تعني استهداف طائفة، ولا تعني إقصاء جمهور لبناني. بل تعني إنهاء البنية العسكرية والتنظيمية الخارجة عن الدولة، ودمج ما يمكن دمجه ضمن المؤسسات الشرعية.

التجارب الدولية كثيرة:

تنظيمات مسلحة تحولت إلى أحزاب مدنية،

قوى موازية أعادت تموضعها داخل النظام الدستوري،

جيوش رديفة تم حلّها وإعادة تنظيمها.

القرار لا يجب أن يكون فوضوياً أو ثأرياً. بل يجب أن يكون مؤسسياً، عبر:

قرار واضح من مجلس الوزراء.

تحرك قضائي مستقل.

خطة انتقالية تضمن الاستقرار الأهلي.

لكن الخطوة الأولى في أي مسار جدي هي الاعتراف بالمشكلة: لا يمكن أن تبقى هناك سلطة فوق سلطة الدولة.

إذا كان مبدأ المساواة أمام القانون قائماً فعلاً، فلا يمكن أن يكون أي مسؤول، أياً كان موقعه، خارج دائرة المساءلة.

المحاسبة لا تعني الإدانة المسبقة.

المحاسبة تعني المثول أمام القضاء.

تعني التحقيق في القرارات التي أدت إلى حروب أو أزمات.

تعني إعادة الاعتبار لمفهوم المسؤولية السياسية والأمنية.

حين يشعر اللبناني أن القانون يطال الجميع، تبدأ الدولة باستعادة هيبتها. أما حين يبقى بعض الفاعلين خارج أي رقابة، فإن مفهوم الدولة نفسه يصبح شكلياً.

قد يبدو هذا الطرح صادماً. لكنه في الحقيقة انعكاس لسؤال أكبر: هل يريد اللبنانيون دولة كاملة السيادة، أم استمرار إدارة الانقسام إلى ما لا نهاية؟

حلّ حزب الله، ومساءلة قيادته ضمن إطار قانوني واضح، ليسا شعارين شعبويين. إنهما اختبار لقدرة لبنان على التحول من ساحة إلى دولة.

القرار لن يكون سهلاً.

لكن الأصعب هو الاستمرار في إنكار أن المشكلة قائمة.

الدول تُبنى حين يعلو الدستور فوق السلاح،

ويعلو القانون فوق الأشخاص،

وتعلو السيادة فوق المحاور.

لبنان أمام لحظة لا تحتمل المناورة.

إما استعادة الدولة،

أو استمرار التآكل البطيء حتى يفقد الكيان نفسه.